حين تضيق السياسة بأزماتها وتفشل المؤسسات في إنتاج الحلول، يبحث اللبنانيون عن أي مساحة مشتركة تذكّرهم بأن الوطن لا يزال قائمًا بالرغم من كل ما يتصدع فيه. وفي كل مرة يشتد فيها الانقسام أو تتعاظم المخاوف على المصير الوطني، تعود القمم الروحية إلى الواجهة بوصفها إحدى المحطات النادرة التي يلتقي فيها ممثلو الطوائف المختلفة حول خطاب يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل الانهيار الذي يعيشه لبنان على أكثر من مستوى، هو ما إذا كانت هذه القمم ما تزال تملك القدرة على حماية الصيغة اللبنانية، أم أنها تحولت إلى فعل رمزي يعبّر عن حسن النوايا أكثر مما يصنع الوقائع.
جاء انعقاد القمة الروحية في دار طائفة الموحدين الدروز في بيروت ليعيد طرح هذا السؤال بقوة. فاللقاء لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية تجمع شخصيات دينية تحت سقف واحد، بل جاء في لحظة وطنية شديدة الحساسية يعيش فيها اللبنانيون قلقًا وجوديًا يتجاوز الأزمات اليومية. فمنذ سنوات، يتنقل البلد بين الانهيار الاقتصادي والتعثر السياسي والتوترات الأمنية المتقطعة، فيما تتراجع ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها إلى مستويات غير مسبوقة، ويغادر آلاف الشباب بحثًا عن مستقبل لم يعودوا يجدونه في وطنهم.
في مثل هذا المشهد، تبدو القمم الروحية وكأنها محاولة للدفاع عن الفكرة التي قام عليها لبنان قبل الدفاع عن النظام السياسي الذي يديره. فالصيغة اللبنانية لم تُبنَ على التشابه، بل على الاعتراف بالاختلاف. ولم تقم على إلغاء التعددية، بل على إيجاد مساحة تسمح لها بالتعايش. ومن هنا تكتسب اللقاءات الروحية أهميتها، لأنها تعيد التذكير بأن التنوع ليس مشكلة بحد ذاته، بل يصبح مشكلة عندما يغيب الحوار وتحضر القطيعة.
ولا يمكن فصل أهمية القمة الأخيرة عن المكان الذي استضافها. فدار طائفة الموحدين الدروز ليست مجرد مؤسسة دينية، بل هي جزء من ذاكرة وطنية ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث. وقد عرف الموحدون الدروز، عبر تاريخهم، أدوارًا تجاوزت حدود الانتماء الطائفي الضيق، وأسهموا في لحظات كثيرة في بناء الجسور بين المكونات المختلفة. لذلك بدا انعقاد القمة في هذا المكان وكأنه استعادة لمعنى تاريخي عميق مفاده أن قوة لبنان لم تكن يومًا في غلبة فئة على أخرى، بل في القدرة على إيجاد توازن دقيق بين الجميع.
لكن قيمة هذه اللقاءات لا تُقاس بالمكان وحده، ولا بعدد المشاركين فيها، بل بالرسائل التي تحملها. وأولى هذه الرسائل أن التواصل بين اللبنانيين ما زال ممكنًا بالرغم من كل ما أصاب حياتهم العامة من تصدعات. ففي زمن يتسع فيه منطق الاصطفاف والانغلاق، يصبح مجرد الاجتماع حول طاولة واحدة فعلًا يحمل دلالته الخاصة. أما الرسالة الثانية فهي أن المرجعيات الروحية، على اختلاف انتماءاتها، تدرك أن السلم الأهلي ليس تفصيلًا يمكن التعامل معه بخفة، بل هو الشرط الأول لبقاء الدولة والمجتمع معًا.
ومع ذلك، فإن قراءة واقعية للمشهد تفرض الاعتراف بأن القمم الروحية تواجه اليوم تحديات لم تعرفها بالحدة نفسها في العقود الماضية. فقد تغير المجتمع اللبناني، وتبدلت مصادر التأثير، وتراجعت ثقة الناس بمختلف المؤسسات، السياسية منها والدينية على حد سواء. كما أن الضغوط المعيشية الهائلة جعلت المواطن أكثر اهتمامًا بالحلول العملية من الخطابات العامة، مهما كانت نواياها صادقة.
لهذا تبدو حدود الدور الذي تستطيع القمم الروحية القيام به واضحة. فهي قادرة على تهدئة النفوس، وإطلاق مواقف وطنية جامعة، والدفاع عن قيم الحوار والاعتدال، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جذور الأزمة اللبنانية. فلا هي تملك أدوات الإصلاح الاقتصادي، ولا صلاحيات بناء الدولة، ولا القدرة على فرض التوافقات السياسية. غير أن هذا لا ينتقص من أهميتها، لأن وظيفتها الأساسية ليست الحل مكان الدولة، بل منع انهيار المعنى الوطني عندما تعجز الدولة عن القيام بدورها.
ولعل التجربة اللبنانية نفسها تقدم دليلًا على ذلك. ففي مراحل كثيرة من تاريخ البلاد، لعبت المرجعيات الروحية دور صمام الأمان عندما بلغت الانقسامات حدودًا خطيرة. لم تكن تصنع السياسات، لكنها كانت تساعد على منع القطيعة. ولم تكن تملك سلطة القرار، لكنها كانت تملك سلطة الكلمة. وفي المجتمعات المنقسمة، قد تكون الكلمة المسؤولة في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من كثير من القرارات.
غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إصدار البيانات، بل في تحويل القيم التي تتحدث عنها القمم الروحية إلى مبادرات تلامس حياة الناس. فالمواطن اللبناني الذي يواجه أعباء الفقر والبطالة وغياب الخدمات يحتاج إلى أن يرى انعكاس الخطاب الأخلاقي في أفعال ملموسة تعزز التضامن الاجتماعي وتحمي الفئات الأكثر ضعفًا. وكلما اقتربت المرجعيات الروحية من هموم الناس اليومية، ازدادت قدرتها على استعادة ثقتهم وعلى جعل رسائلها أكثر تأثيرًا في المجال العام.
في النهاية، قد لا تكون القمم الروحية قادرة على إنقاذ لبنان بمفردها، لكنها ما تزال تذكّر اللبنانيين بحقيقة غالبًا ما تضيع وسط ضجيج السياسة: أن الأوطان لا تسقط فقط عندما تنهار مؤسساتها، بل عندما يفقد أبناؤها الإيمان بإمكان العيش معًا. ومن هنا فإن القمة التي انعقدت في دار طائفة الموحدين الدروز لم تكن مجرد حدث عابر في سجل الأخبار، بل كانت محاولة متجددة للدفاع عن فكرة لبنان نفسها؛ لبنان الذي قام على التعددية، واستمر بالحوار، ولن يستطيع أن يواجه أزماته إلا بالعودة إلى تلك القيم التي جعلت من تنوعه مصدر قوة لا سببًا للانقسام.


