: آخر تحديث

الإمارات التجربة التي صنعت الزمن بدلاً من أن تنتظر القدر

2
2
2

حين تتأمل الإمارات اليوم، تجدها ليست مجرد دولة نفطية أو مدينة من صحراء، بل تجربة متكاملة لصناعة المستقبل. أكثر ما يميزها ليس ما تملكه من موارد، بل ما صنعت من عقل ومؤسسات ورؤية. السؤال الحقيقي ليس لماذا تقدمت الإمارات، بل كيف اختارت أن تصنع الزمن بدلاً من أن تنتظره؟

السر الأول يكمن في الوعي بالزمن كعامل أساسي في البناء الوطني. الإمارات تعلم أن القرارات السريعة والتصحيحات المؤقتة لا تصنع حضارة. لذلك وضعت خططاً تمتد لعقود، مثل رؤية 2021، 2031، و2071، لكنها ليست مجرد شعارات على الورق، بل أدوات لتوجيه مشاريع ومؤسسات واستثمارات بشرية. في المقابل، كثير من الدول تضيع سنواتها في الجدالات السياسية أو النزاعات، فتتراجع عن تحقيق أي تقدم مستدام.

السر الثاني هو الاستثمار في الإنسان كجوهر للثروة. الإمارات لم تُقصر على النفط، بل استثمرت في تعليم حديث، وبعثات إلى الخارج، وتمكين المرأة، وجذب العقول المبدعة من الداخل والخارج. لقد حوّلت الدولة عائدات النفط من غاية إلى وسيلة، وسيلة لتمويل بناء الإنسان والمؤسسات، كي لا يعود الإنسان تابعاً للسلعة، بل تصبح السلعة خادمة لمستقبله. النتيجة دولة قادرة على الصمود أمام أزمات النفط وتقلبات الاقتصاد العالمي، لأن قوتها الحقيقية في الإنسان، وليس فقط في البترول.

ثالثاً، العمل بالمؤسسات وليس بالمزاج. القانون يُطبَّق، والخدمات الحكومية تُقاس وتُقيَّم، والمواطن والمستثمر يشعران بالأمان. الدولة هنا ليست منصة للشعارات أو المناكفات السياسية العابرة، بل آلة دقيقة تصنع التغيير بخطط محكمة. هذه الثقافة المؤسسية تجعل الإمارات تتفوق، لأنها توفر استقراراً حقيقياً لا يتزعزع بتقلبات السياسة أو الاقتصاد.

تمتلك الإمارات أيضاً ما يمكن تسميته "المرونة الهادئة" في حوكمتها الداخلية. إنها لا تخاف من تعديل المسار أو دمج الأفكار الجديدة من مختلف الحضارات، شرط أن تخدم رؤيتها الثابتة. هذه الفلسفة تخلق توازناً نادراً بين الثبات على المبادئ والمرونة في الأدوات، مما يجعل الدولة كالكائن الحي القادر على التكيف دون أن يفقد هويته.

ولا يقل أهمية عن ذلك الذكاء الاستراتيجي في السياسة الخارجية. السياسة الخارجية ليست ميدان صراع، بل أداة لتعزيز الاقتصاد والاستقرار الداخلي. هذا الحياد الذكي يمنح الإمارات مرونة في التعامل مع العالم، ويبعدها عن مغامرات عبثية قد تضعف الدولة بدلاً من أن تقويها.

ثم تأتي الجرأة في التجربة والابتكار. الإمارات اختبرت الحكومة الذكية، ووزارة السعادة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، ومشاريع ضخمة في الطاقة والاقتصاد الرقمي. الفشل موجود، لكنه هنا درس سريع للتحسين وليس عائقاً للانطلاق. التجربة الإماراتية تقول: "من لا يخاطر لن يعرف حجم إمكاناته".

من زاوية أعمق، يمكن القول إن الإمارات نجحت لأنها تحترم ثلاثة عناصر أساسية: الزمن، والعقل، والإنسان. الزمن يُدار بخطط طويلة، والعقل يُستخدم بلا تحيزات أيديولوجية، والإنسان يُستثمر بلا استثناء. هذه الثلاثية جعلت الدولة شابة لكنها قوية، صغيرة لكنها عالمية.

ما يميز هذه التجربة حقاً عن غيرها هو القدرة على تحويل الموارد المحدودة إلى إرادة لا محدودة. فبينما تعتمد دول كثيرة على الثروة الطبيعية فقط، استثمرت الإمارات كل ما لديها من مساحة، وعدد سكان، ومكانة استراتيجية لصنع مشاريع عالمية المستوى. هنا تظهر الفلسفة الحقيقية وراء القوة: ليست الموارد هي الأساس، بل كيفية استخدام الموارد بحكمة ومقدرة.

وفي النهاية، نجاح الإمارات ليس حدثاً اقتصادياً أو سياسياً فقط، بل درس شامل في صناعة الدولة. إنه نموذج يثبت أن التخطيط، والاستثمار البشري، والمؤسسات القوية، والجرأة على التجربة، والاحترام العميق للزمن والعقل والإنسان، يمكن أن يصنع دولة متقدمة ومستقرة بالرغم من صغر حجمها وعدد سكانها.

بينما يظل الكثيرون عالقين بين مآسي الماضي وحروب الحاضر، تقدم الإمارات تجربة متفردة تُجيب على سؤال الوجود الحضاري: ليس "لماذا نحن هنا؟" بل "إلى أين نصنع الزمن ليأخذنا؟". وهذا هو الاختلاف الجوهري، ليس في الموارد، بل في الرؤية والفلسفة التي تحرك كل خطوة، وكل مشروع، وكل تجربة نحو مستقبل ملموس ومستدام.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.