في كل مرة يُفتح فيها ملف التعليم على طاولة النقاش، ندرك أننا لا نتحدث عن قطاع خدمي عابر، بل عن مشروع وطني طويل النفس، تُبنى عليه ملامح الإنسان، وتُرسم من خلاله ملامح المستقبل. ومن هذا المنطلق، جاء لقاء الطاولة المستديرة في منظومة التعليم ليؤكد أن التحول التعليمي لم يعد خيارًا تجميليًا، بل ضرورة استراتيجية تمس جودة الحياة، وكفاءة الاقتصاد، وقدرة الوطن على المنافسة.
اللافت في مضامين اللقاء أنه لم يتعامل مع التعليم بوصفه مناهج تُدرّس داخل الفصول فحسب، بل كمنظومة متكاملة، يكون فيها الطالب محور العملية التعليمية، لا متلقيًا سلبيًا، وتُدار وفق منطق الأثر لا الجهد، والنتائج لا النوايا. أربعة محاور رئيسة رسمت خريطة هذا التحول، تبدأ من المناهج، ولا تنتهي عند حوكمة الأداء.
في محور المناهج، بدا واضحًا أن التوجه الجديد يتجاوز فكرة التحديث الشكلي إلى إعادة بناء فلسفة المحتوى التعليمي نفسها. مناهج تُطوَّر وفق منهجية وطنية حديثة، تستند إلى البحث والبيانات، وتوازن بوعي بين القيم والثوابت الوطنية، وبين أفضل الممارسات العالمية. وهذا التوازن هو التحدي الحقيقي في أي مشروع تعليمي؛ فالعبرة ليست في الاستنساخ، بل في المواءمة الذكية التي تحافظ على الهوية، وتفتح في الوقت ذاته نوافذ واسعة على المستقبل.
إدخال مناهج تخصصية في مجالات مثل: الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والسياحة، وفنون الأداء، لا يمكن قراءته بمعزل عن متطلبات التنمية وسوق العمل. فالتعليم، حين ينفصل عن الواقع، يتحول إلى عبء، وحين يتصل به بعمق، يصبح رافعة. والبدء بتطبيق هذه المناهج اعتبارًا من عام 2026، وفق مراحل مدروسة، يعكس إدراكًا لأهمية التدرج، وقياس الأثر، وتعديل المسار عند الحاجة، لا الاندفاع غير المحسوب.
أما المعلم، فقد احتل مكانه الطبيعي في قلب هذا التحول، فالحديث عن تطوير المناهج، أو تحديث البيئة التعليمية، يظل ناقصًا إذا لم يُقترن بتمكين المعلم، مهنيًا ومعرفيًا، المعلم ليس أداة تنفيذ، بل شريك في صناعة التغيير، وبرامج التطوير المهني النوعية، ومواءمتها مع المناهج المطورة وأساليب التعليم الحديثة، تعكس تحولًا في النظرة إلى المعلم من منفذ إلى مُمكَّن، ومن متلقٍ للتوجيه إلى صانع للأثر داخل الصف.
وفي محور التطوير، تتجلى أهمية البيئة التعليمية بوصفها حاضنة للتعلم النشط والابتكار. فالفصل الدراسي لم يعد جدرانًا وسبورة، بل تجربة متكاملة يعيشها الطالب، وتشكل وعيه، وتغذي فضوله، وتحفّز قدرته على التفكير. توحيد الجهود بين الجهات، وتقليل الازدواجية، ورفع كفاءة التنفيذ، هي عناوين إدارية في ظاهرها، لكنها في عمقها شروط أساسية لنجاح أي تحول مؤسسي مستدام.
غير أن ما يمنح هذه المحاور وزنها الحقيقي هو الإطار الحاكم لها، وهو حوكمة الأداء. فالتحول التعليمي، مهما بلغت طموحاته، يظل معرضًا للتآكل إذا لم يُدر بمؤشرات واضحة، وأدوار محددة، وآليات متابعة وتقييم قائمة على البيانات. ربط المبادرات التعليمية بمؤشرات أداء قابلة للقياس، والإسهام المباشر في تحسين مؤشرات وزارة التعليم، يعكس انتقالًا من ثقافة المبادرات إلى ثقافة النتائج.
وفي كلمته، أكد معالي وزير التعليم أن التحول المؤسسي هو الأساس لبناء تعليم مستدام، وأن رعاية المستفيد –الطالب وولي الأمر والمعلم– ليست شعارًا، بل منهج عمل. كما أن التركيز على أنظمة السلامة في المدارس والنقل المدرسي يذكّرنا أن البيئة الآمنة ليست ترفًا، بل شرط أولي لأي تعلم فعّال. فالطالب الذي لا يشعر بالأمان، لا يستطيع أن يتعلم، مهما بلغت جودة المناهج.
وتبقى أهمية مثل هذه اللقاءات في بعدها التشاركي؛ فهي لا تكتفي بعرض الخطط، بل تفتح باب الحوار مع النخب الإعلامية والاستشارية، إدراكًا لدور الإعلام في نقل الصورة، وطرح الأسئلة، ومواكبة التحول بوعي ومسؤولية. فالإعلام شريك في النجاح، كما هو شريك في المساءلة، وحين يكون قريبًا من صانع القرار، يصبح أكثر قدرة على دعم المستهدفات الوطنية.
إن ما طُرح في لقاء الطاولة المستديرة ليس مجرد عناوين إصلاح، بل ملامح مشروع وطني يعيد تعريف التعليم بوصفه استثمارًا في الإنسان، قبل أن يكون إنفاقًا على المباني والبرامج. والتعليم، حين يُدار بهذه الرؤية، لا يُخرج طلابًا فحسب، بل يُنشئ أجيالًا قادرة على الفهم، والعمل، والمنافسة، وحمل الوطن بثقة نحو المستقبل.

