محمد ناصر العطوان
حين ذهبتُ إلى بلاط صاحبة الجلالة في جريدة «الراي» للمرة الأولى، كنتُ مجرد «كتكوت» صحافي يتحسّس طريقه، محمّلاً بحماس البدايات وارتباك الهواة... استقبلني الأستاذ علي الرز، ذلك «الجنتل مان» القادم من زمن الصحافة الأنيقة، بابتسامة هادئة ونظرة فاحصة. لم يعطني يومها كُتيّباً مطبوعاً بعنوان «اكتب ولا تكتب» كذلك الذي وزُع عليه في بداياته الإعلامية، ولم يلقِ عليّ محاضرة في النحو والصرف وكيفية كتابة المقالات، بل باغتني بتشخيص «جراحي» مبكر، وكأنه يقرأ الشيفرة الوراثية لقلمي قبل أن أقرأها أنا.
قال لي بهدوئه المعتاد: «أنت كاتب ساخر... ولكنك لا تدري أنك ساخر!». ثم أردف بملحوظة تقنية أصابتني في مقتل: «ولكن لديك مشكلة عويصة في كتابة العناوين».
واليوم، وأنا أقرأ مقاله البديع بعنوان «اكتب ولا تكتب» عن كُتيب التعليمات الصحافية اللغوية، أدرك أن الأستاذ علي، لم يكن يوزع علينا ورقاً وكُتيّبات، بل كان يوزع علينا «بصيرة».
لقد علّمني أن السخرية ليست «نكتة» نضحك عليها، بل هي مشرط نستخدمه حين يعجز الكلام الجاد عن وصف عبثية المشهد... كما علمني أن «العنوان» ليس مجرد يافطة نضعها فوق المقال، ولكنه «الفخ» الذي نصطاد به انتباه القارئ في زمن التشتت.
واسمح لي عزيزي القارئ أن أوزع عليك اليوم أيضاً كُتيب «اكتب ولا تكتب» اذا كانت لديك رغبة في العمل الحكومي أو تسلّم المناصب والعمل في المراكز الإعلامية والعلاقات العامة للوزارات، في كتيبنا الاجتماعي والسياسي «غير المطبوع» هذا، تعلمنا الدروس التالية بمرارة التجربة:
في بند «الإدارة واللجان»: اكتب: «تم تشكيل لجنة لدراسة التحديات ووضع خارطة طريق». ولا تكتب: «شكلنا لجنة لكي ندفن الموضوع ونقرأ عليه الفاتحة، ولتنفيع الأعضاء ببدل حضور الجلسات». ففي قاموسنا، «اللجنة» هي الاسم الحركي للتسويف، و«الدراسة» هي الاسم المهذب للنسيان.
في بند «المشاريع»: اكتب: «المشروع يمر بمرحلة إعادة جدولة زمنية وفقاً للمستجدات العالمية». ولا تكتب:«المقاول هرب، والمناقصة متعثرة، ونحن في ورطة». علّمونا أن نكتب «تحديات»، لأن كلمة «فشل» تجرح المشاعر الرقيقة، ونحن مجتمع لا يحب الخدوش، نفضل أن ينهار السقف فوق رؤوسنا ونحن نبتسم ونقول...«أزمة وتعدي».
في بند «التعليم ومستقبل العيال»: اكتب: «نحن بصدد إطلاق إستراتيجية التعليم الرقمي». ولا تكتب: «نحن نخرّج جيلاً يحمل (التابلت) ولا يعرف كيف يكتب جملة مفيدة، ونربط مخرجات التعليم بالواسطة في التعيين». الأهم في العنوان هو «الرقمي» و«الذكي»، أما العقل الذي توقف عن التفكير النقدي واستبدله بمهارة «البصم»، فهذا تفصيل لا يستحق الذكر.
في بند «الهياط الاجتماعي»: اكتب: «فلان شخصية مؤثرة وصانع محتوى هادف». ولا تكتب: «فلان شخص تافه، ومحتواه خواء».
في القاموس الجديد، أصبح «الرغّاي» يسمى «ناشطاً»، وأصبح «الفضولي» يسمى «محللاً استراتيجياً». وعلينا أن نكتب «نعيش في عالم متصل»، ونتجاهل أننا نعيش في عزلة تامة، لا نكلم أمهاتنا وهن يجلسن بجوارنا، بينما نرسل القلوب والورود لشخص وهمي خلف الشاشات.
يا أستاذ علي... أنت لم تعطني الكُتيب في يدي، لكنك أعطيتني الدرس الأهم وهو أن أكتب ما أرى، لا ما يُملى عليّ. وحتى لو كنتُ لا أزال أعاني من «مشكلة في العناوين» كما قلت لي في اللقاء الأول، فإنني أحاول جاهداً أن أجعل «المتن» صادقاً، وساخراً، وموجعاً... لعل القارئ يغفر لي سوء العنوان، إذا وجد في التفاصيل عنواناً لحقيقته الضائعة.
شكراً لأنك اكتشفت «الساخر» في داخلي قبل أن أكتشفه أنا. وشكراً لأنك علّمتنا أن الصحافة ليست وظيفة، بل موقف... حتى لو كان الموقف مجرد سخرية من واقع يرفض أن يتغيّر.
ودمتم... بوعي خارج الكُتيّب... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

