: آخر تحديث

أخلاق الشعر

1
1
1

في إحدى الإشارات اللافتة، دعا الأستاذ عبدالعزيز النصافي من خلال حسابه على منصة X إلى تخليص الشعر من فن الهجاء، -وجاءت دعوته على شكل أمنية- لا بوصفه حذفًا من الذاكرة الأدبية، بل بوصفه مراجعة أخلاقية لوظيفة الشعر في زمن تغيّرت فيه طبيعة الخصومة، وتبدّلت فيه الحاجة إلى اللغة، فالدعوة لم تكن في جوهرها ضد التراث، بقدر ما كانت سؤالًا عن جدوى أن يظل الشعر حارسًا للغضب، في عالم لم يعد يحتمل مزيدًا من القسوة اللفظية، هذه الرؤيا أعادتني إلى سؤال قديم يتجدد، ما الذي نريده من الشعر اليوم؟ أهو امتداد لصوت الصراع، أم مساحة لترميم الإنسان؟ لقد كان الهجاء، في سياقه التاريخي، تعبيرًا عن صراع وجودي، وسلاحًا لغويًا في زمن كانت الكلمة فيه تقوم مقام الفعل، أما اليوم وقد تغيّرت موازين القوة، وتعددت أدوات التعبير، فإن الإصرار على استدعاء الهجاء يبدو أحيانًا أقرب إلى تكرار انفعالي، لا إلى موقف إبداعي، من هنا، لا أتعامل مع الشعر بوصفه ترفًا لغويًا، ولا أستحضره كحالة وجد عابرة، بل أراه علاقة ممتدة مع النفس، ومع العالم في آن.. علاقة تقوم على التخفف لا على الشحن، وعلى الفهم لا على التصعيد، الشعر حين يُحمَّل أكثر مما يحتمل، يتحول من أداة كشف إلى وسيلة تشويه، لذلك كان لزامًا أن نعيد النظر في نبرته، لا في قيمته.. الشعر ليس قوة إضافية نلوّح بها في وجه الآخر، بل إعادة توزيع ذكية للهشاشة الإنسانية، من خلاله نتعلم أن الاعتراف بالضعف لا يعني الانكسار، وأن اللغة، حين تتخلى عن عدائيتها، تصبح أكثر قدرة على البقاء، لستُ معنيًا بأن يكون الشعر درعًا أو سيفًا، بقدر ما أراه مساحة مفتوحة تسمح للإنسان أن يكون أقل ادعاءً، وأكثر صدقًا.. كلما اتسعت المسافة بيني وبين ضجيج العالم، ضاقت المسافة بيني وبين الشعر، فالغربة في معناها الأعمق، ليست مكانًا نغادره، بل شعورًا نبحث له عن لغة، والكتابة لا تولد في مناطق الاكتمال، بل في تلك المساحات الناقصة التي نحتاج أن نفهمها قبل أن نحاكمها، الشعر لا يصنع حلولًا، لكنه يمنحنا قدرة أعلى على الاحتمال.. ولعلني أدركت مع الوقت، أن أجمل المدن ليست تلك التي نصلها بسهولة، بل التي نضيع فيها مع آخر يشبهنا في السؤال، الشعر يشبه هذا النوع من المدن؛ لا يعدك بالوصول، لكنه يمنحك رفقة الطريق، ومن هنا لم يكن حضوره في حياتي تراكميًا بقدر ما كان تعويضيًا، يعيد التوازن كلما اختلّ ميزان المعنى، ومع تقدّم العمر، تتبدّل علاقتنا بالشعر، لا لأنه يتغير بل لأننا نفقد تدريجيًا تلك القدرة الأولى على الدهشة، ومع ذلك يظل قادرًا على استعادة الطفل الكامن فينا، ذاك الذي تعلّم المعنى من التفاصيل الصغيرة، ومن بساطة الأشياء، قبل أن تتراكم عليها التأويلات.

في الكتابة كما في الحياة، تعلّمت أن الانتقاء فضيلة، أن أتابع ما أحب، وأن أرى قبل أن أحكم، الشعر، حين يتقاطع مع الحب، لا يتحول إلى زينة بل إلى أداة فهم، فالحب دون لغة قادرة على حمله قد يظل شعورًا مبهمًا، بينما يمنحه الشعر شكلًا قابلًا للحياة.

والعزلة في هذا السياق، ليست انسحابًا من العالم، بل اقترابًا أكثر وعيًا منه، والوحدة ليست فراغًا، بل مساحة إنصات، الشعر لا يملأ الفراغ، بل يعيد تعريفه، ويحوّله من نقص إلى احتمال.. وفي النهاية، لا يبدو الشعر خيارًا إضافيًا في العمر، بل أحد شروطه، ومع تقلّص المساحات لا يبقى سوى ما كان صادقًا منذ البداية، لذلك، حين أراجع ما تبقّى، لا أجد متّسعًا حقيقيًا إلا للغة أقل هجاءً، وأكثر إنسانية، ولصداقة قديمة مع الشعر، لم تُبنَ على الخصومة، بل على الفهم..!

فاصلة:

إنها سيرة الحزن في أول العمر.. أو أول الشعر

لا فرق ما بيننا.. حيث قال أبونا الكبير: «قفا نبك»!... ثم بكينا طويلاً إلى آخر الأغنيات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد