بينما تطوى سجادة "منتدى الإعلام السعودي" 2026، وتهدأ أضواء المنصات، يبدأ الوقت الحقيقي للعمل، فالحصاد الحقيقي لأي تظاهرة بهذا الحجم لا يقاس بجمال التنظيم أو كثرة الحضور، بل بما يتركه من أثر موصول يحول الحوار إلى قرار، فلقد أطل المنتدى وانتهى، وترك خلفه سؤالا جوهريا: كيف ننتقل بهذا الزخم من "حدث سنوي" كبير ننتظره كل عام إلى "منصة عمل" مستمرة تصنع السياسات الإعلامية وتبني المستقبل؟
الرعاية الكريمة التي حظي بها المنتدى من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -أيده الله- تحمل في طياتها "فلسفة الأمانة" التي غرسها القائد في وجدان الصحافة السعودية منذ عقود، فمن يعرف "سلمان الصحفي" و"سلمان القارئ" يدرك أن رعايته ليست مجرد تشريف بروتوكولي، بل دعوة مفتوحة للنقد الواعي والشفافية التي تبني الوطن، فلقد كان -حفظه الله- دوما الأقرب للإعلاميين، يحثهم على استنطاق الحقيقة وتجاوز السطح، وهذه الرعاية تضع على عاتقنا اليوم مسؤولية تحويل مخرجات المنتدى إلى "مختبر للتأثير الإعلامي" مسار دائم يحلل التحديات في جلسات مغلقة وعميقة، بعيدا عن صخب الخطاب الاستعراضي، ليخرج بحلول قابلة للتطبيق تخدم صانع القرار.
في تقديري.. أثبتت التجربة أن "الإعلامي الشامل" بات جزءاً من الماضي، وأن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في "الإعلام المتخصص".. ونحن في دولة تخوض غمار الفضاء، وتتصدى للأمن السيبراني، وتقود أسواق الطاقة والتصنيع، وهذا الواقع يفرض علينا ولادة إعلاميين يملكون "لغة التخصص" في القضاء، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، فلا يكفي أن ننقل الخبر، بل يجب أن نملك القدرة على تحليله بعمق المتخصص، سواء عبر أثير الإذاعة أو شاشات التلفزة أو فضاءات الإعلام الرقمي ومنصاته المتعددة، هذا التخصص هو الذي سيمنح "مؤشر التأثير الإعلامي السعودي" القوة والمصداقية، ويحول مؤسساتنا إلى مراجع معرفية لا تكتفي بوصف التحول، بل تقوده.
إن هذه الرؤية النقدية الهادئة تنبع من إيمان عميق أن "منتدى الإعلام السعودي" هو أثمن من أن ينتهي بانتهاء أيامه الثلاثة، إنها دعوة لأن يتحول المنتدى إلى "بيت خبرة" وطني، يصدر تقريرا سنويا يشخص حالة الوعي، ويقترح السياسات، ويقيس جودة المحتوى. فالإعلام الذي نريده هو الإعلام الذي يرى في "النهايات" مجرد بدايات لعمل مؤسساتي رصين، يضع البلاد في موقع الريادة الإقليمية، لا بوصفها ناقلة للرسالة فحسب، بل شريكة أصيلة في صناعة المستقبل.
ويتمازج هذا المسار مع روح رؤية المملكة 2030 التي أعادت تعريف دور الإعلام من نقل الحدث إلى المشاركة في صناعة الوعي، فمرحلة كهذه تحتاج إعلاما يفهم التحول، ويشرحه بوضوح، ويقيس أثره، لا أن يكتفي بترديده.. إعلام يعزز الثقة، ويرسخ الشفافية، ويواكب طموح الدولة بخطاب مهني متزن.

