ليست هذه الكلمات ترفاً لغوياً، ولا انفعالاً عابراً وُلد في لحظة ضيق، بل محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقّى من المعنى، حين تُفرَّغ الثقافة من جوهرها، وتتحوّل من فعل وعيٍ عميق إلى مشهد استعراضي بلا روح. ما جرى في الرّقة ليس تفصيلاً عابراً في يوم ثقافي مزدحم، بل علامة كاشفة على أزمة أعمق، أزمة مدينة خرجت من سنوات القسوة مثقلة بالأسئلة، فانتظرت الثقافة بوصفها خلاصاً رمزياً، لتُفاجأ بأنها جاءت بوجه لا يُشبهها، وبصوت لا ينتمي إلى ذاكرتها.
في المدن التي عرفت الخراب، لا تكون الثقافة ترفاً، ولا زينة تُضاف إلى المشهد العام، بل ضرورة وجودية، أشبه بعملية تنفّس جماعي بعد اختناق طويل. الثقافة، في مثل هذه الأمكنة، ليست نشاطاً جانبياً، بل محاولة لإعادة ترتيب الروح قبل الجدران، وشفاء الذاكرة قبل ترميم الساحات. غير أن ما شهده مثقفو الرّقة بدا أقرب إلى طقس مرتبك، لا يحمل من الثقافة سوى اسمها، ولا من المدينة سوى عنوانها. فعندما تُدار الثقافة بعجلة، وتُقدَّم بوصفها واجباً بروتوكولياً أو استحقاقاً إدارياً، فإنها تفقد قدرتها على الإصغاء، وتتحوّل من طاقة شفاء إلى عبء إضافي على مدينة أنهكها الحمل أصلاً.
لقد انتظر مثقفو الرّقة أربعة عشر عاماً لحظة حضور وزير الثقافة، لا طلباً لصورة تذكارية، ولا رغبة في مجاملة عابرة، بل أملاً في حوار حقيقي، في اعتراف رمزي بأن لهذه المدينة عقلاً حياً، وأسئلة معلّقة، وجرحاً مفتوحاً لم يندمل. كانوا ينتظرون لحظة إنصات، لا خطاباً، ومائدة نقاش، لا منصة تصوير. لكن خيبة الأمل لم تكن في الغياب الجسدي للكلمة فحسب، بل في غياب الفكرة التي كان يُفترض أن تُرافق الزيارة. فالثقافة لا تُختصر بخطاب رسمي، ولا تنهض بلقاء خاطف، ولا تُبنى من علٍ، بل تُصاغ من الداخل، من أصوات الناس الذين حملوها في أصعب الظروف.
المشهد الذي قُدّم حمل تناقضاً فادحاً، كأنه خلاصة الارتباك الثقافي نفسه: تلاوة مقدسة، تليها عروض غناء ورقص بلا سياق جامع، وكأن قدسية الكلمة يمكن فصلها عن احترام معناها، أو وضعها في سياق لا يُسائل انسجامها مع اللحظة. هنا لا تكمن المشكلة في الفنون بحد ذاتها، فالفن في جوهره فعل حرية، بل في غياب الرؤية التي تمنح لكل فعل معناه ومكانه. الثقافة ليست خليطاً عشوائياً من الأصوات والصور، بل بناء دقيق للتوازن بين الشكل والمضمون، بين اللحظة ورسالتها، بين ما يُقال وكيف يُقال ولماذا.
أما الشعر، الذي يُفترض أن يكون ذروة التعبير وضمير اللحظة، فجاء في معظمه باهتاً، مكرراً، أو فاقداً للحماسة. شاعر يعتلي المنبر وكأنه يؤدي واجباً ثقيلاً، لا احتفاء بالكلمة، ولا إيماناً بدورها، ولا إحساساً بعظمة المناسبة. وهنا يبرز سؤال نفسي عميق يتجاوز اللحظة ذاتها: كيف يمكن للكلمة أن تُنقذ مدينة، إذا كان حاملها نفسه مرهق الروح، منطفئ الحضور، يؤدي الطقس دون أن يسكنه المعنى؟
القاعة، التي كان يُفترض أن تضمّ نخبة مثقفي الرّقة، بدت شبه خالية منهم. لم يكن الغياب صدفة، ولا نتيجة تقصير عابر، بل احتجاجاً صامتاً على وصاية ثقافية فُرضت من خارج المكان. وصاية تُقصي أهل المدينة، وتتعامل مع الثقافة كملف إداري يُدار من المكاتب، لا ككائن حيّ يتنفس بأصوات أبنائه. وفي علم الاجتماع الثقافي، يُعدّ هذا النوع من الإقصاء أخطر أشكال التهميش، لأنه لا يقتل الجسد، بل يُطفئ الإحساس بالجدوى، ويزرع في النفوس قناعة قاسية بأن الصوت الحقيقي غير مرغوب فيه.
كثير من مثقفي الرّقة بقوا في المدينة حين غادرها الجميع. عاشوا القسوة، وواجهوا ثقافات العنف والتطرّف، وحاربوا الأمية والمخدرات، ودافعوا عن فكرة الدولة في مواجهة سطوة العشيرة، وملؤوا فراغاً أخلاقياً ومعرفياً لم يجرؤ العابرون على الاقتراب منه. هؤلاء لم يُدعَوا، ولم يُستشاروا، وكأن الثقافة يمكن أن تُستورد جاهزة، بلا جذور، وبلا ذاكرة، وبلا حساسية تجاه المكان.
إنّ الثقافة، حين تُدار بعقلية الامتياز لا التكليف، تتحوّل إلى سلطة صغيرة، تُعيد إنتاج الإقصاء نفسه الذي يُفترض بها أن تُحاربه. وحين تُختزل الرّقة في أغنية أو رقصة، تُرتكب خيانة رمزية بحق تاريخها، وذاكرتها، وناسها، وكأن المدينة لا تختزن سوى صورة فولكلورية تُستدعى عند الحاجة، ثم تُعاد إلى الهامش.
ما نحتاجه اليوم ليس مهرجاناً إضافياً، ولا احتفالاً آخر يُضاف إلى الأرشيف، بل إعادة تعريف جذرية لمعنى الثقافة ذاتها. نحتاج إلى هيئة استشارية من مثقفي الرّقة أنفسهم، لا لتهميش الإدارة، بل لإسنادها بالمعرفة المحلية، وبحساسية المكان، وبالخبرة المتراكمة. نحتاج إلى الفصل بين النص وكاتبه، بين الإبداع والانتماء، بين القيمة الحقيقية واللقب الزائف. نحتاج إلى ثقافة لا تُقاس بعدد الحضور ولا بعدد الصور، بل بعمق الأثر الذي تتركه في الوعي الجمعي.
الثقافة ليست محاصصة، ولا توزيع أدوار، ولا مكافأة ولاءات. هي فعل شجاعة، ونقد، ومساءلة. فالثقافة التي تخاف النقد، ثقافة خائفة من ذاتها.
إن لم تُصغِ الثقافة لأهلها، ستبقى قشرة هشّة، مهما تلألأت أضواؤها، ومهما ازدحمت منصاتها. والرّقة، التي أنجبت شعراء وروائيين ومفكرين، لا تحتاج إلى من يعرّفها بنفسها، بل إلى من يحترم صوتها، ويصغي إلى نبضها، ويمنح مثقفيها حق الشراكة لا فتات الحضور. فإمّا ثقافة تُبنى على الصدق والاختصاص، أو لا ثقافة على الإطلاق.


