: آخر تحديث

التداعيات السياسية والقانونية لتصنيف "الحرس الثوري" منظمة إرهابية

2
2
2

أدرج الاتحاد الأوروبي رسميًا اليوم "الحرس الثوري الإيراني" (IRGC) ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وهو قرار اتُّخذ بعد سنوات من سياسة المهادنة (المماشاة)، ومن شأنه أن يحمل تداعيات سياسية واستراتيجية واسعة النطاق على بنية السلطة في النظام الإيراني ومسار الاحتجاجات الداخلية. ويُعدّ هذا الإجراء منعطفًا جوهريًا في مسار رفع تكلفة القمع وتقويض الشرعية الدولية للنظام.

وعقب الإعلان مباشرة، كتبت كايا كالاس، منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، عبر حسابها على منصة X: "لقد اتخذ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خطوة حاسمة بتصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية. إن أي نظام يقتل الآلاف من شعبه، إنما يسعى فعليًا لتدمير نفسه."

وبالرغم من تأخر هذا القرار، إلا أنّه يحمل أهمية استراتيجية حاسمة، إذ إن تصنيف "الحرس الثوري" منظمة إرهابية ليس مجرد إجراء قانوني أو رمزي، بل هو انعكاس لتغيّر الرؤية الأوروبية تجاه الماهية الحقيقية لبنية السلطة في نظام "ولاية الفقيه"، تلك البنية التي لم تبنِ بقاءها على الرضا الشعبي، بل على العنف المنظم والقمع الممنهج.

إن "الحرس الثوري" لم يكن يومًا مؤسسة عسكرية تقليدية منذ تأسيسه، فمهمته الأساسية ليست الدفاع عن الحدود الوطنية، بل حراسة أيديولوجية "ولاية الفقيه" القمعية والمتطرفة، ولجم المجتمع من خلال الترهيب. وسجلّ هذه المؤسسة حافل بقمع الاحتجاجات الشعبية في الداخل، والتدخلات المزعزعة للاستقرار في المنطقة، والعمليات العابرة للحدود، فضلًا عن السيطرة على شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية التي تُسخَّر مباشرةً لتمويل آلة القمع. وبناءً على المعايير القانونية والسياسية، فإن هذه المؤسسة تمتلك كافة مقومات المنظمة الإرهابية، وإن التغاضي الطويل عن هذه الحقيقة لم يكن نابعًا من غموض، بل نتيجة لنهج المهادنة.

تكمن أهمية القرار الأوروبي اليوم في إعادة تعريف الحدود بين الدبلوماسية والتغاضي الأخلاقي. إن إدراج الحرس الثوري في قوائم الإرهاب يعني أنّه لم يعد ممكنًا الادعاء بالدفاع عن حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات طبيعية مع الذراع الأساسية لقمع الشعب. هذا القرار يستهدف مباشرةً الشرعية الدولية للنظام، ويضع روايته الرسمية حول "السيادة القانونية" و"توفير الأمن" أمام تحدٍّ بنيوي.

من الناحية الاستراتيجية، تُعدّ هذه الخطوة ضربة مباشرة للعمود الفقري للسلطة، فالحرس الثوري هو المحور الأمني والاقتصادي والسياسي للنظام. وإن رفع التكلفة الدولية للارتباط بهذه المؤسسة سيؤدي إلى تضييق الموارد المالية، وإغلاق الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود، وتعميق الشقوق داخل بنية السلطة. في ظل هذه الظروف، سيصبح استمرار الولاء لهذه المؤسسة مكلفًا للغاية لقطاعات واسعة من أتباعها، مما سيُسرّع من عملية التآكل الداخلي.

وعلى المستوى الداخلي، فإن لهذا القرار أثرًا رمزيًا وعمليًا بالغ الأهمية، فعندما يُصنَّف الجناح الرئيسي للقمع كقوة إرهابية دوليًا، فإن أي عنف يمارسه النظام في الداخل لن يُعتبر "شأنًا داخليًا". القمع في الشوارع، والاعتقالات الواسعة، واستخدام القوة ضد المتظاهرين، ستكون لها تبعات تتجاوز حدود إيران، مما يضع النظام في موقع دفاعي أكثر من أي وقت مضى. ومن هذا المنطلق، يمكن للضغط الخارجي أن يدخل في مرحلة تكاملية مع المقاومة الاجتماعية في الداخل.

وفي الوقت ذاته، يحمل هذا القرار رسالة واضحة للمجتمع الإيراني، إذ إن الاعتراف بالماهية الإرهابية للحرس الثوري هو تأكيد ضمني على أنّ احتجاجات الشعب الإيراني ليست "أعمال شغب"، بل هي ردّ فعل مشروع ضد عنف الدولة، ويتسق مع المعايير المحددة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومواثيق القانون الدولي التي تُقرّ بـ"حق الدفاع المشروع". وهذا يعزّز مكانة الحركات الاحتجاجية والمطالب الديمقراطية في الساحة الدولية، ويُفقد الرواية الرسمية للنظام صدقيتها تمامًا.

ختامًا، إن القيمة الحقيقية لإدراج الذراع الأساسية لولاية الفقيه في قوائم الإرهاب تكمن في الاستمرارية والتنفيذ العملي لهذه السياسة، من تجميد الشبكات المالية، والملاحقة القانونية للقادة والمسؤولين، وقطع التعاون الأمني السري، وتجنّب أي تراجع سياسي قد يؤدي إلى إعادة إنتاج سياسة المهادنة.

لا بدَّ من الاعتراف بمقاومة الشعب الإيراني وحق "وحدات الانتفاضة" في الدفاع عن النفس ومواجهة هذه المؤسسة الجحيمية، فهذا هو المطلب الذي ينتظره الشعب الإيراني المقموع من كافة الدول الديمقراطية في العالم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.