: آخر تحديث

هل انتهت السُّلطة الذكورية العربية؟

2
1
1

لم تعد السلطة الذكورية العربية تقف كما كانت يومًا، ذلك الصرح الصلب الذي لا يتزعزع، ولا يُسأل، ولا يُراجَع. لم تسقط دفعةً واحدة، ولم تُهزم في معركة فاصلة، لكنها بدأت تتآكل ببطء من الداخل، كجدار قديم تنخره التشققات قبل أن ينهار.

هذه السلطة لم تكن يومًا مجرد سيطرة رجل على امرأة، بل منظومة كاملة من الأفكار والعادات والخوف والوراثة الصامتة. كانت تُقدَّم بوصفها "الطبيعي" و"المقدّس" و"الذي لا بديل عنه". الرجل سيّد القرار، وصاحب الصوت الأعلى، وحارس الشرف، ومالك الحقيقة. والمرأة؟ ظلٌّ ملحق، أو دورٌ مؤجل، أو استثناء يُسمح له بالكلام بشروط.

لكن الزمن تغيّر، أو لعل البشر هم الذين تغيّروا أخيرًا.

اليوم، لم تعد الأسئلة محرّمة كما كانت. لم يعد الصمت فضيلة مطلقة، ولا الطاعة دليل حكمة. النساء يتكلمن، لا بوصفهن ضحايا فقط، بل بوصفهن فاعلات، صاحبات تجربة ورؤية وذاكرة. والرجال أنفسهم، بعضهم على الأقل، بدأوا يشعرون بثقل الدور المفروض عليهم، دور القاسي المتحكم الذي لا يضعف ولا يخطئ.

السلطة الذكورية لم تنتهِ بعد، لكنها لم تعد مرتاحة. تُقاوِم، تتصلّب، ترفع صوتها، وتلوّح بالخطر والانهيار الأخلاقي، لأنها تدرك أن الأرض التي تقف عليها لم تعد ثابتة. وسائل التواصل كسرت احتكار الرواية، والتعليم زعزع مسلّمات قديمة، والاحتكاك بالعالم كشف أن ما كان يُقدَّم كـ"قدر" ليس إلا اختيارًا تاريخيًا قابلًا للتغيير.

ومع ذلك، فالتحوّل ليس نقيًا ولا بسيطًا. نحن نعيش مرحلة انتقال مربكة، سلطة قديمة ترفض الموت، ووعي جديد لم يكتمل بعد. لذلك نرى التناقضات في كل مكان، خطاب حداثي وسلوك تقليدي، شعارات مساواة تُجاور عنفًا يوميًا، ومساحات حرية تُقابَل بردّات فعل شرسة.

السؤال الحقيقي ليس: هل انتهت السلطة الذكورية العربية؟

بل: هل نحن مستعدون لوداعها فعلًا؟

لأن نهايتها لا تعني فقط إنصاف النساء، بل تعني أيضًا إعادة تعريف الرجولة والسلطة والعائلة والمعنى نفسه. تعني أن نتخلى عن الامتياز غير المرئي، وعن الراحة التي يمنحها اليقين الأعمى، وعن الخوف من عالم أكثر عدلًا لأنه أقل قابلية للسيطرة.

السلطة الذكورية لم تسقط بعد، لكنها لم تعد قدرًا أبديًا. هي الآن في موضع السؤال، والسؤال بداية النهاية.

لأن السلطة الذكورية العربية لا تعيش فقط في القوانين أو النصوص أو الخطابات العالية، بل تسكن التفاصيل الصغيرة، في نبرة الأب، وفي خوف الأم، وفي الجملة العابرة التي تُقال لطفلة: "عيب"، وتُقال لطفل: "أنت رجل". تسكن في التربية قبل أن تسكن في السياسة، وفي البيوت قبل أن تظهر في الشوارع.

هذه السلطة نجحت طويلًا لأنها لم تكن تُمارَس بالقوة وحدها، بل بالاعتياد. صارت جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة، من يحق له أن يحلم، من يُسامَح له بالخطأ، ومن يُطالَب بالكمال. الرجل يُربّى على الامتلاك، والمرأة على الاحتمال. هو يُدرَّب على القيادة حتى لو لم يكن أهلًا لها، وهي تُدرَّب على الصبر حتى لو كانت تُدمَّر من الداخل.

لكن ما يحدث اليوم مختلف. التصدّع لا يأتي من الخارج فقط، بل من الداخل أيضًا. نساء لم يعدن يطلبن الإذن للوجود، ولا يفاوضن على إنسانيتهن. يرفضن الأدوار الجاهزة، ويعيدن كتابة الحكاية بأصواتهن وبأجسادهن وباختيارات مؤلمة أحيانًا. وهنّ لا يفعلن ذلك بلا ثمن، فكل خطوة خارج السرب تُقابَل بمحاولة كسر، أو تشويه، أو تخويف.

وفي المقابل، هناك رجال بدأوا يشعرون أن هذه السلطة، التي وُعدوا بأنها امتياز، كانت في الحقيقة قيدًا. قيدًا يمنعهم من البكاء، ومن الاعتراف بالهشاشة، ومن طلب المساعدة، ومن أن يكونوا بشرًا لا تماثيل صلبة. السلطة الذكورية لم تُنصف النساء، لكنها أيضًا شوّهت الرجال، وحوّلت الرجولة إلى عبء ثقيل بدل أن تكون مساحة إنسانية رحبة.

المقاومة الأعنف لا تأتي من السلطة نفسها، بل من الخوف من الفراغ بعدها. ماذا سيحدث إن لم يعد الرجل مركز الكون؟ من يقرر؟ من يقود؟ من يحمي؟ أسئلة تُطرَح وكأن العدالة تعني الفوضى، وكأن الشراكة تعني الضياع. لهذا نرى هذا التعلّق المرضي بالماضي، وتقديس نماذج لم تعد صالحة للحياة، فقط لأنها مألوفة.

نحن لا نشهد نهاية السلطة الذكورية بقدر ما نشهد احتضارها الطويل. والاحتضار، كما نعرف، يكون صاخبًا، مؤلمًا، وغير أخلاقي أحيانًا. تزداد القسوة حين تشعر المنظومة أنها تُسحب من مركزها. يعلو العنف حين يتزعزع الامتياز. وهذا ليس دليل قوة، بل علامة خوف.

ومع ذلك، لا يمكن الرهان على الزمن وحده. فالسلطات لا تموت تلقائيًا، بل يجب أن تُسمّى، وتُفكَّك، ويُعاد التفكير في بدائلها. البديل ليس قلب الهرم فحسب، ولا استبدال قهر بقهر، بل بناء علاقة جديدة مع السلطة نفسها، سلطة تشاركية إنسانية، لا تقوم على النوع بل على الكفاءة، ولا على الخوف بل على المسؤولية.

ربما لن نعيش لحظة إعلان رسمي لنهاية السلطة الذكورية العربية. لن يسقط تمثال، ولن يُغلق باب. لكنها ستتلاشى تدريجيًا، كلما وُلد طفل لا يُربّى على التفوق، وكلما قالت امرأة "لا" ولم تُكسَر، وكلما اختار رجل أن يكون عادلًا بدل أن يكون مسيطرًا.

النهاية لا تأتي كضربة واحدة، بل كتحوّل في الوعي.

وحين يتغيّر الوعي، تصبح السلطة القديمة مجرد ذاكرة ثقيلة، لكنها غير قادرة على العودة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.