: آخر تحديث
المطلوب توقيع يجسد إرادة شعب لا مجرد توقيع استفرادي:

التمثيل الكردي مسؤولية لا امتياز

2
1
1

لقد خدم نظام دمشق قضية كرد سوريا من حيث لا يريد ولا يدري، إذ إن تركيزه الممنهج على استهدافهم، كشعب، عبر استقدامهم واستهضامهم من بوابة التسويق الفردي، في إطار محاولة تصفيتهم أو تذويبهم العام، حوّلهم إلى بؤرة الاهتمام السياسي والحقوقي، حيث أدى القمع المتكرر إلى تعرية بنيته الإقصائية وتأكيد أنه نظام يتأسس على إنكار مبدأ الشراكة الوطنية، كشعب يعيش فوق ترابه تاريخيًا. في المقابل، فإن هذا السلوك رسخ، على نحو أعمق، عدالة المطالب الكردية وأكسبها مشروعية أوسع، فلم يضعف الحصار والتشريد والتهجير والقتل والتمييز حضورهم، وإنما دفع بقضيتهم إلى الواجهة، وهكذا صار العدوان نفسه عاملًا مباشرًا في تثبيت حقوقهم، كما قال محمود درويش ذات يوم عن خدمة إعلام إسرائيل نفسها الفلسطينيين. بنات وأبناء الداخل واصلوا الدفاع والصمود على الأرض، كما إن أصوات الخارج كثفت الاحتجاج السلمي وكشفت الوقائع أمام العالم، وبذلك فقد تحوّل الضغط العسكري الإرهابي إلى عنصر خدمة سياسية غير مقصودة للقضية الكردية.

مثل هذا السؤال يظهر اليوم كجرس إنذار لا كناقوس جنائزي، إذ إن تمثيل شعب يرزح تحت نير ألسنة النار وشرور ترجمات مخطط الإبادة قضية بقاء لا بازار ألقاب ديكورية تزيينية، حيث تختلط السياسة بالسلاح وتلتبس الوجوه وتكثر الادعاءات، بينما شلال الدم الهادر ثمن هذا المخطط الإبادي. لذلك فإن تحديد من يتكلم باسم الكرد يصبح من عداد الأولويات والضروريات التي لا تؤجل شرطًا أول لأي مسعى تمثيلي تفاوضي، إذ لا يمكن لشعب يواجه حملات الاقتلاع الإرهابي أن يترك صوته مشتتًا مبعثرًا بين غرف مغلقة لا تصلنا أصداؤها، ولا صفقات مرتجلة لا تعرف النخب الكردية فحواها، وإنما يستنتجونها ويلتقطونها حتى من أفواه الأعداء، قبل إعادة تركيبها وترتيبها والبناء عليها. هذه النقطة يجب أن يعيها أولو الأمر الكردي، لاسيما الجنرال مظلوم عبده، الذي أبقى، أو أبقيت، مقاليد الشأن السياسي في يده ومن حوله من دون أي مسوغ، كذيل لمقاليد الشأن العسكري، وهو ثقل كبير عليه، مرهق له، يشغله عن تفاصيل ميدانه في زمن الحرب، ناهيك عن أن هذا الشأن له رجالاته.

لقد غدا المشهد مكشوفًا لكل ذي بصيرة غير متعام منذ لحظة صعود أحمد الشرع إلى مركز القرار في دمشق، حيث انبعثت شبكات موبوءة قديمة كانت تتغذى على ميراث الاستبداد، فأعادت إنتاج خطاب التحريض ضد الكرد وسائر المكونات، بعد مرور وسقوط بعضها في مختبرات الثورة التي اعتاشت عليها لأسبابها. وهكذا فقد جرى تصوير الكرد كعبء تاريخي لا كشريك أرض، ومن هنا تهيأت الذريعة لكل اعتداء لاحق. إذ سبقت ومهدت ثقافة الإقصاء لغة الرصاص، باعتبار أن التحريض يمهد للمجزرة، واللغة العدائية تفتح الطريق للمدفع. لذلك لم يكن ما حدث لاحقًا مفاجئًا، حيث تكررت المآسي على العلويين، ثم الدروز، ثم الكرد، وكأن البلاد تُدار بعقل ثأر لا بعقل دولة.

أمام هذا الواقع انحاز الكرد إلى ما يملكون من قوة دفاع، إذ لا يترك الخائف ظهره مكشوفًا، حيث دلت الوقائع على أن الضمان الوحيد لحماية شعبنا يتمثل في البندقية التي يحملها أبناؤه وبناته. التفاف الناس حول قواهم العسكرية جاء غريزيًا لا أيديولوجيًا، وهكذا تشكل سور حماية، بالرغم من علم جميعنا بوجود اختراقات وكتل هشة وأخطاء، إذ لا توجد تجربة بشرية بلا شوائب. غير أن الخلل في بعض الصفوف يبقى أهون من فراغ كامل يفتح الباب للذبح على الهوية.

مع ذلك لا يسوغ تحويل البندقية إلى بديل عن السياسة، إذ إن مهمة العسكري دفاع ميداني لا تفاوض سياسي، حيث يختلط الدوران تضيع البوصلة وتكثر التنازلات الصامتة. من هنا يظهر مأزق هرولة الجنرال مظلوم عبدي نحو دمشق منفردًا، إذ إن أي توقيع خارج مرجعية سياسية جماعية يضع شعبًا كاملًا رهينة تقدير فرد قد يصيب أو يخطئ. إن التنسيق العسكري، بالرغم من أولويته وكونه المحدد للمصير ميدانيًا، لا يخوّل صاحبه اتخاذ قرارات مصيرية تخص مستقبل شعب، وهكذا تتراكم الخسائر من دون رقابة شعبية أو تفويض واضح.

من يمثل كرد سوريا، إذًا؟

لقد دفعت سياسة الأبواب الخلفية أثمانًا باهظة، إذ إن اتفاقات ناقصة لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق تحولت إلى أوراق شكلية، بينما استمر الضغط الميداني كما هو. لذلك لا يكفي حسن النية ولا تكفي الشجاعة الشخصية، حيث تتطلب السياسة مؤسسات مدنية وخبرة تفاوضية وتمثيلًا واسعًا، وهكذا يفرض السؤال ذاته من جديد: من يتكلم باسم الكرد حقًا.

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تولد من الفراغ، إذ يمتلك الكرد رصيدًا سياسيًا متراكمًا يتمثل في أحزاب المجلس الكردي التي تشكلت تاريخيًا من روح وضمير وقلب الشارع. هذا المجلس أخطأ كثيرًا، أجل، مكرهًا بأكثر أو مخيرًا بأقل، كما وتأخر كثيرًا وانغلق أحيانًا على نفسه، كل هذا صحيح، غير أن جذور أحزابه الرئيسة التي عملت سلميًا راسخة، فهي مدنية واجتماعية في آن، وقد كانت في الخط الأول مع شعبها تاريخيًا، ومن هنا تكمن أهميتها. إنها جسم سياسي مدني يستطيع أن يقود، مع الأحزاب الوطنية من خارجه، وفدًا تفاوضيًا وفق مقررات مؤتمر قامشلي نيسان (أبريل) 2025، وفدًا هو أقدر على حماية الحقوق من أي قيادة عسكرية مهما حسنت نياتها، حيث إن السياسة تحتاج لغة قانون لا لغة مواقع قتالية، وكلتاهما متكاملتان، ولا يجوز أن تلغي إحداهما الأخرى.

من هنا، فإن إصلاح المجلس الكردي شرط ضروري، إذ لا يسوغ بقاء عقل اتكالي ينتظر الخارج الكردستاني لتحريكه كدمية، وضخ الدماء في عروقه، مكررًا أخطاء مجالس معارضة سورية استبدلت إرادة الناس برضا الممول. إن إعادة نظر القيادة في ملفاتها كلها، والانفتاح على القواعد الشعبية، واستعادة الثقة، خطوات ملحة كي يعود المجلس، كما أردناه له لا كما مُني ببعض القيادات المنومة، لسان حال الشارع لا صدى الغرف المغلقة، وإن كنا نعرف ما فعلته الحرب عليه من قبل قنديل. إذ إن تمثيل الكرد ينبغي أن يصدر عن مدنيين متفرغين للعمل العام، بينما يتولى العسكري حماية الأرض وتنفيذ ما يقرره القرار السياسي الجماعي، في توأمة لا تنفصل، لئلا ينقاد العسكري إلى حروب لا لزوم لها، ولئلا يكون السياسي أعزل مستبدًا.

ولنعترف مرة أخرى أن المشكلة ظلت تكمن في هيمنة كوادر قادمة من خارج مكاننا، إذ جرى فرض وصايات أيديولوجية أثقلت المجتمع وأدخلته في صراعات لا تخصه. بطولات المقاتلين لا تمنح أحدًا حق إدارة الحياة السياسية لشعب كامل، حيث إن الوصاية مهما تلونت تبقى عبئًا. لذلك يتعين فك الارتباط الذي يجر القرار المحلي إلى حسابات إقليمية، وهكذا يستعيد كرد سوريا استقلال قرارهم.

على هذا النحو تمامًا يتسع التمثيل الحقيقي ليشمل طيف الشعب الكردي، بعد التضامن العظيم من بنات وأبناء الأمة الكردية في أجزائها كلها، كما الشتات. إن مثل هذا التضامن القومي يمنح القوة المعنوية والسياسية، غير أن القرار الميداني يجب أن يبقى محليًا خالصًا، معترفين أن دعم الأشقاء أعظم رصيد، وفيه مجلبة للدعم الأممي، بينما الوصاية محض قيد، وشتان بين كلتا الحالتين. باعتبار أن تمثيل الكرد يقوم على ثلاث ركائز متكاملة: قوة دفاع تحمي القرى والمدن، قيادة سياسية مدنية تفاوض باسم الشعب الكردي مستعينة بالمختصين من الأكاديميين المستقلين، لا لأجل مكاسب يجب أن تكون لمن هم خارج العمل السياسي والعسكري درءًا للسقوط في مصائد الذاتية والفساد، إلا فيما يتعلق بعامل الاختصاص العسكري، من دون أن ننسى أنه من الضروري أيضًا تفعيل دور القاعدة الشعبية التي تراقب وتحاسب، ولا تلهث وراء السياسي الذي يفرض علمًا اختصاصيًا نقدر كل ما تم من منجزات في ظله في مواجهة علم كردستاني استراتيجي. ومن هنا، فإن أي اختلال ضلع واحد يعرض البناء كله للانهيار. وهكذا فلا يحق لأي فرد ولا لأي طرف أو فصيل احتكار الصوت، حيث إن مطلب الحفاظ على وجود شعبنا أكبر من أي اسم، حزبًا كان أو قيادة وبائية لا تلك التي تقف مع شعبها في أيام المحن.

من هنا نرى أن السؤال "من يمثل كرد سوريا" لا يطلب شعارًا، بل يطلب بنية وبيئة عمل، إذ إن التمثيل مسؤولية يومية تُقوَّم وتنهض عبر الشفافية والمساءلة لا عبر المزاعم وربطات العنق والخطب، والتحكم بتوزيع الاستحقاقات بما يدعو للتخندق الحزبي. إننا أبناء شعب دفع دمًا كثيرًا يستحق قيادة تقوده بعقل بارد لا بأنانية واستفراد واستهتار وتسرع، قيادة عامة تعمل بحساب وطني لا بمغامرة شخصية أو حزبية كارثية، وبهذا فقط يتحول التمثيل من ادعاء إلى حقيقة ملموسة على الأرض.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.