: آخر تحديث
قراءة في المشهد السياسي ومستقبل المعارضة:

الانتفاضة الإيرانية بين العفوية والتنظيم

4
4
3

تظهر التطورات الأخيرة في إيران ملامح مشهدٍ متوتّر يتجاوز مجرّد الاحتجاجات العابرة ليصل إلى حالة نضوجٍ سياسي ومجتمعي غير مسبوقة. ما تشهده البلاد اليوم من اضطرابات في أكثر من مئتي مدينة ليس نتيجة حدثٍ عابر أو انفجارٍ انفعالي آني، بل مزيجٌ دقيق من الغضب الشعبي العميق والتنظيم السياسي المتصاعد الذي عملت عليه قوى المعارضة طوال عقود.

يرى مراقبون أنّ الحراك الحالي يجمع بين عنصرين متلازمين: من جهة، العفوية الشعبية التي تعبّر عن شوق الإنسان الإيراني للحرية والخلاص من القمع، ومن جهةٍ أخرى، وجود تنظيمٍ محكم يقوده جناحٌ معارض منظّم يرى أنّ إسقاط النظام لا يمكن تحقيقه إلا عبر جهازٍ داخلي فعّال ومتماسك. هذا التلاقي بين الإرادة الشعبية والبنية المنظّمة يشكّل اليوم محور الزخم الثوري داخل البلاد.

لكن النظام، في المقابل، لم يتردّد في انتهاج العنف المفرط لكبح هذه الانتفاضة. التقارير الواردة من داخل إيران تشير إلى آلاف الضحايا، في حين يستمر الإعلام الرسمي في التقليل من الأرقام أو محاولة تبريرها. مصادر دبلوماسية في المنطقة أكّدت وجود إقراراتٍ رسمية من طهران بسقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، وهو رقم يكشف حجم القمع الذي يمارسه النظام في مواجهة المتظاهرين السلميين. هذه الممارسات لا تعبّر عن قوة الدولة، بل، كما يراها بعض المحللين، هي انعكاسٌ مباشر لضعف النظام وارتباكه وخوفه من التغيير.

في خضم هذا المشهد، يبرز جدلٌ حول القوى التي تطمح إلى قيادة المرحلة المقبلة. بعض الأصوات المرتبطة بعائلة الشاه السابق تحاول الظهور كخيارٍ بديل، رافعةً شعاراتٍ ديمقراطية بينما تستند، في الوقت ذاته، إلى إرثٍ سلطوي قائم على الوراثة. هذا التناقض بين "الولاية الملكية" والديمقراطية يجعل تلك الرؤية غير قابلة للتوفيق المنطقي أو السياسي، إذ من غير الممكن الجمع بين فكرة الحكم الوراثي ومبدأ الإرادة الشعبية الحرة.

في المقابل، يعرض المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية خطةً أكثر وضوحاً وواقعية لمرحلةٍ انتقالية تمتد ستة أشهر فقط، تنتهي بانتخاباتٍ ديمقراطية وتأسيس مجلسٍ وطني منتخب، مع ضمان استقلال القضاء، وحرية الصحافة، وفصل الدين عن الدولة. تلك الرؤية تشمل أيضاً مبادئ حاسمة مثل إقامة جمهورية غير نووية وضمان المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، ما يعكس عمقاً مؤسسياً يتجاوز الشعارات.

الاختلاف بين هذين النهجين لا يقتصر على التفاصيل التقنية، بل يتجسّد في الفلسفة السياسية ذاتها. فمشروع تيار ابن الشاه لا يقدّم تصوّراً شاملاً للحكم ولا يتيح مساحةً حقيقية للتعددية، بينما يقدّم مشروع المقاومة تصوّراً ديمقراطياً مدنياً جامعاً يتكئ على المشاركة الشعبية لا التبعية الفردية.

إنّ الحراك الإيراني اليوم يقف على مفترق طرقٍ حاسم. من جهة، نظامٌ متآكل يستمد بقاؤه من القمع، ومن جهةٍ أخرى، معارضةٌ ديمقراطية تكتسب زخماً شعبياً متزايداً. وفي هذا الاشتباك بين الخوف والأمل، يبدو أنّ المستقبل سيتشكّل على يد أولئك الذين يملكون رؤيةً جماعية وشجاعةً كافية لبناء نظامٍ حرّ وعادل يعبّر عن تطلّعات الشعب الإيراني.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.