: آخر تحديث

السلاح بوصفه إيمانًا… والغرق بوصفه قدرًا

3
3
3

كما في حكاية الشيخ الغريق، لا تبدأ الكارثة بخطيئة، بل بسوء تقدير مكابر يُلبَس ثوب الإيمان.

عاصفة تضرب بلدة صغيرة، ويتحوّل المطر إلى فيضان جارف. شيخ يقف على درج المسجد، رافعا يديه بالدعاء، واثقا بأن العناية الإلهية ستتدخل في اللحظة المناسبة. يمر أحد الأهالي في قارب صغير ويحذره من ارتفاع المياه، فيرفض مطمئنا إلى أن الله سيحفظه. يرتفع منسوب الخطر، وتأتي فرص أخرى للنجاة، أكثر وضوحا وإلحاحا، لكنه يصر على البقاء، مقتنعًا بأن الخلاص لا يكون إلا بالشكل الذي يتصوّره هو. وعندما يغرق، لا يرى في مصيره نتيجة عناده، بل اختبارًا لإيمانه.

هذه الحكاية لا تُدين الإيمان، بل تفضح الخلط القاتل بين التوكّل وتعطيل العقل، وبين الثقة والإنكار، وبين العقيدة ورفض المسؤولية. وهي، في جوهرها، توصيف دقيق لما يعيشه لبنان اليوم في مقاربة شريحة واسعة من مناصري حزب الله للضربات الإسرائيلية المتواصلة، وللمأزق الذي وُضِعت فيه بيئة كاملة بفعل الإصرار على خيار واحد، مهما بلغت كلفته البشرية والسياسية.

فما يُقدَّم اليوم على أنه “صمود” أو “ثبات” ليس إلا إنكارًا منظّمًا للواقع. الضربات الإسرائيلية ليست حدثًا طارئًا، ولا مؤامرة مستجدة، ولا سوء تفاهم قابلًا للتصحيح بالشعارات. هي نتيجة مباشرة لمسارٍ طويل من رفض الاعتراف بأن السلاح الخارج عن الدولة لم يعد ورقة قوة، بل عبئًا وجوديًا على من يُفترض أنه يحميهم. كل دعوة إلى التعقّل، كل تحذير من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، كل طرحٍ جدّي لنزع السلاح وإعادة الاعتبار للدولة، قوبل بالرفض ذاته: نحن نعرف أكثر، الزمن يعمل لمصلحتنا، والمحور كفيل بالحماية.

غير أن الأخطر من السلاح نفسه، هو التحصّن خلف نسخة مغلقة من الدين تُستَخدم لا للإرشاد بل للتبرير، ولا للأخلاق بل لإسكات أي نقاش. فالإيمان الأعمى، حين يتحوّل إلى عقيدة سياسية، لا يحمي جماعة بل يعزلها عن محيطها، ويقطع عنها القدرة على سماع أي صوت تحذيري، ولو أتى من داخل الوطن ذاته. الاعتقاد بأن “نسختنا” من الدين كفيلة وحدها بالنجاة، فيما يُرفض الإصغاء إلى أصوات لبنانيين يرون في استمرار السلاح انتحارًا جماعيًا، ليس تعبيرًا عن ورع أو ثبات، بل عن قطيعة كاملة مع الواقع ومع منطق المسؤولية.

الدين، أيّ دين، لا يمنح حصانة من النتائج، ولا يُعفي الإنسان من تبعات خياراته. الإيمان الذي يُقصي العقل، ويشيطن كل من يُحذّر من الكارثة، لا يصنع خلاصًا، بل يبرّر الهلاك. وهنا تتقاطع الحكاية مع الواقع اللبناني بدقّة مؤلمة: مناصرو حزب الله الذين يتعاملون مع السلاح بوصفه قدرًا إلهيًا لا خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، يكرّرون خطأ الشيخ الغريق نفسه، يرفضون القارب لأنهم لا يعترفون إلا بالخلاص كما يتخيّلونه هم، لا كما يفرضه الواقع.

ورغم ذلك، يبقى القارب موجودًا. الدولة اللبنانية -بكل ضعفها واختلالها- تبقى الإطار الوحيد القادر، نظريًا وعمليًا، على حماية الناس، لا عبر المغامرة بل عبر المسؤولية، لا عبر الشعارات بل عبر الشرعية. نزع السلاح ليس تخليًا عن جماعة، بل محاولة أخيرة لإنقاذها من منطق الاستنزاف الدائم. غير أن هذا القارب شُوّه عمدًا، وصُوّر كخيانة، تمامًا كما رُفض القارب الأول في الحكاية لأنه لم يأتِ من السماء.

وتزداد المأساة عمقًا حين لا يعود هذا العناد مرتبطًا بلبنان أصلًا، بل برهانٍ متزايد على نظامٍ إقليمي آخذ في التآكل. فالرهان على إيران اليوم لم يعد تعبيرًا عن وفاء استراتيجي أو “محور مقاومة”، بل مقامرة مكشوفة على نظام محاصر، مأزوم، ومضطر إلى تصدير أزماته بدل حلّها. ربط مصير بيئة لبنانية كاملة بهذا الرهان لا يشبه الإيمان بشيء، بل يشبه الإصرار على البقاء فوق المئذنة فيما المياه تبتلع كل ما حولها.

إنَّ أصوات اللبنانيين الذين يرون في السلاح خطرًا وجوديًا -على الشيعة كما على غيرهم- ليست أصوات ضعف ولا خيانة، بل محاولات أخيرة لوقف الانحدار. تجاهل هذه الأصوات باسم العقيدة لا يمنح المأساة معنى، بل يفرغها من أي أخلاق. فحين يُستبدَل النقاش السياسي بإطلاق أحكام دينية، وحين يُجرَّم العقل باسم الإيمان، يصبح المجتمع أسيرًا لا لعدو خارجي فحسب، بل لمنطق داخلي يصرّ على السير نحو الهاوية وهو يردّد أنه على طريق النجاة.

في حكاية الشيخ الغريق، لم تكن المشكلة في قلة الإيمان، بل في رفض النجاة حين جاءت. وهذا بالضبط ما يواجهه لبنان اليوم: القوارب وصلت، التحذيرات قيلت، والفيضان لم يعد مجازًا. ومن يصرّ على الغرق، لا يملك حق جرّ الآخرين معه باسم الله، أو المقاومة، أو أي سردية أخرى فقدت معناها.

إنَّ إصرار حزب الله على التمسّك بالسلاح بوصفه خلاصًا، فيما السفينة تغرق فعليًا، لا يختلف عن محاولة شراء تذكرة سفر على متن تيتانيك بعد أن اخترقها الجليد؛ تصرفٌ لا تنقذه حسن النيّة ولا كثافة الشعارات، لأن المشكلة لم تعد في الوجهة، بل في السفينة نفسها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.