كلّما ابتعد الإنسان عن وطنه، اقترب على نحوٍ مؤلم من تاريخه. فالغربة لا تفصلنا عن الماضي، بل تنزع عنه الضجيج اليومي وتتركنا عراة أمام الذاكرة. هناك، بعيدًا عن المكان، تتقدّم الأسئلة الثقيلة: ماذا حدث لنا؟ وكيف تحوّل زمن الشباب إلى أرشيفٍ متخم بالانكسارات؟ نحن جيل لم يعش السياسة كخيارٍ فكري، بل كواقعٍ قسري. لم نتعامل معها كنقاشٍ نظري أو اهتمامٍ عابر، بل كقوّةٍ اقتحمت تفاصيل حياتنا اليوميّة، أعادت تشكيل أحلامنا، وفرضت علينا وعيًا مبكرًا أقرب إلى الإرهاق منه إلى النضج. فبين دخول أميركا إلى العراق، وما تبعه من تفكيكٍ للدولة والمجتمع، إلى مشاهد الإعدام والسقوط والهروب والتنحّي، لم نكن مجرّد متفرّجين على التاريخ، بل مادّة خامًا له.
كان غزو العراق لحظة مفصليّة في الوعي العربي الحديث. لم يكن السؤال يومها عن نظامٍ سياسي بعينه، بل عن هشاشة الكيان ذاته. رأينا دولةً تُكسر علنًا، ورأينا النظام الدولي يعمل بلا أقنعة، وتعلّمنا، مبكرًا، أنّ مفاهيم مثل السيادة والقانون الدولي تُفعَّل انتقائيًا، وتُعلَّق حين تتعارض مع موازين القوّة. تلك اللحظة زرعت في جيلٍ كامل شكًّا عميقًا في عدالة العالم، وفي جدوى الخطاب الأخلاقي الذي يُقدَّم.
ثمّ جاءت انتفاضات الخريف العربي، لا بوصفها حدثًا واحدًا، بل كسلسلة انفجارات متتابعة للغضب المكبوت. هروب زين العابدين بن علي، وتنحّي حسني مبارك، ومقتل القذّافي، ثمّ النهاية الدمويّة لعلي عبدالله صالح، لم تكن مجرّد نهايات لأنظمة حكم، بل انهيارات لصور السلطة ذاتها. سقطت فكرة "الرئيس الأبدي"، لكنّ الذي لم يسقط معها هو منطق الدولة العميقة، ولا بنية الاستبداد، ولا هشاشة المؤسّسات.
وهنا تكمن المأساة الكبرى لجيلنا: لقد شهدنا سقوط الرموز دون أن نشهد ولادة البدائل. رأينا الأنظمة تنهار، لكنّنا لم نرَ الدول تُبنى. عشنا لحظة الوعد الكبرى، ثمّ دخلنا في زمن الالتباس، حيث اختلطت الثورة بالفوضى، والحرّيّة بالاقتتال، والأمل بالإحباط العميق. لم يكن الفشل فشل فكرة التغيير بقدر ما كان فشل البنية السياسيّة والاجتماعيّة في احتواء هذا التغيير وتحويله إلى مسار مستدام.
هذا التراكم من الأحداث لم يمرّ علينا بوصفه مادّة إخباريّة، بل ترك أثرًا نفسيًا ومعرفيًا عميقًا. نشأ جيل يحمل وعيًا سياسيًا مرتفعًا، لكنّه مثقل بالشكّ، قليل الثقة في الشعارات، حذر من الخطابات الكبرى. جيل تعلّم أنّ الحماسة وحدها لا تكفي، وأنّ إسقاط الحاكم لا يعني بالضرورة تفكيك منظومة الحكم، وأنّ الثورات قد تُسرق، أو تُحرَّف، أو تُستنزف حتّى تفقد معناها.
في المنفى، تتّخذ هذه الأسئلة بعدًا أشدّ قسوة. فالمغترب لا ينظر إلى وطنه بعين المشاركة، بل بعين المراقبة العاجزة. يرى التكرار، يرى الأخطاء نفسها، ويرى كيف يتحوّل التاريخ إلى حلقة مفرغة. هنا، يصبح الحنين أكثر تعقيدًا: ليس شوقًا إلى المكان فقط، بل إلى وطنٍ كان يمكن أن يكون، ولم يكن.
إنَّ ما عاشه هذا الجيل ليس مجرّد مرحلة سياسيّة عابرة، بل تجربة وجوديّة كاملة. تجربة أعادت تعريف معنى الوطن، والسلطة، والكرامة، وحتّى معنى الأمل نفسه. وربّما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: ماذا خسرنا؟ بل: ماذا تعلّمنا؟ وكيف يمكن لهذا الوعي المتعب، المثقل بالتجربة، أن يتحوّل من ذاكرة جريحة إلى مشروع فهمٍ أعمق للمستقبل؟
فالتاريخ، مهما بدا قاسيًا، لا يُغلق نهائيًا. لكنّه لا يمنح فرصًا جديدة إلّا لمن يملك شجاعة القراءة النقديّة، لا الحنين الأعمى، ولا اليأس الكامل. وهذا، ربّما، هو التحدّي الأخير لجيلٍ لم يُتح له أن يختار زمنه، لكنّه ما زال مطالبًا بأن يختار ما سيفعله بذاكرته.

