: آخر تحديث

الذاكرة الشعبية للشتائم في النهج العربي

3
3
3

نحن العرب لا نمتلك فقط تاريخًا من الشعر والخطابة والحِكم، بل نحمل في ذاكرتنا الجمعية أرشيفًا هائلًا من الشتائم، موروثًا لغويًا معقّدًا، متشعّبًا، يكاد يكون علمًا قائمًا بذاته. الشتيمة عندنا ليست كلمة عابرة تُلقى ثم تُنسى، بل بناء لغوي كامل، له مقدّمات ونتائج، وله وزن وإيقاع، وله قصد وسياق، وله جمهور يُفترض أن يفهم الإيحاء قبل التصريح.

في العالم الغربي، غالبًا ما تُختزل الشتيمة في كلمة واحدة أو كلمتين، تُقال بانفعال سريع ثم يُطوى الأمر، كأنها حجر يُرمى في بركة راكدة ثم تختفي دوائره سريعًا. أمّا عندنا، فالشتيمة ليست حجرًا، بل زلزالًا لغويًا، يبدأ من الأصل، ويمرّ على الفرع، ويتوسّع ليشمل السلالة، والتاريخ، والجغرافيا، وأحيانًا المناخ والقبيلة واللهجة والسمعة والذاكرة الشعبية. هي عملية تشريح لغوي لا تخلو من القسوة، لكنها مشغولة بعناية.

الشتيمة العربية ليست مجرّد إهانة، بل سرد. حكاية قصيرة مظلمة، تُروى في جملة واحدة أو في فقرة كاملة، وقد تمتد لتصبح مونولوجًا غاضبًا، أو قصيدة نثرية مسمومة، أو دعاءً مقلوبًا يُرفع لا للسماء بل على الخصم. هي فنّ يعتمد على البلاغة، على الاستعارة، على الكناية، على اللعب بالمحظور دون الوقوع فيه صراحة، وعلى الإيحاء بما هو أفظع ممّا يُقال.

ولكل وطن عربي قاموسه الخاص، نكهته المحلية، وحدته القياسية في الإهانة. ما يُعدّ شتيمة عابرة في بلد، قد يكون إعلان حرب في بلد آخر. بعض الشتائم لا تُفهم إلّا باللهجة، ولا تُترجم، لأن روحها تسكن بين الحروف، في طريقة النطق، في المدّ، في الوقفة القصيرة قبل الكلمة القاتلة. هناك شتائم تُقال ضاحكة لكنها تجرح، وأخرى تُقال بهدوء فتدمّر، وثالثة لا تُقال أصلًا، يكفي التلميح إليها لتُفهم الرسالة كاملة.

الشتيمة عند العربي ليست انفلاتًا لغويًا فحسب، بل مرآة للواقع الاجتماعي، للضغوط، للكبت، للسلطة، للخوف، وللعجز أحيانًا. هي وسيلة تفريغ، ووسيلة مقاومة، ووسيلة انتقام رمزي حين يعجز الفعل. لذلك جاءت معقّدة، متراكمة، محمّلة بالطبقات، كأنها تعويض لغوي عن أفعال لم تُنجز، أو عدالة لم تتحقّق.

نحن بحاجة فعلًا إلى دراسة جادّة، لا لتبرير الشتائم، بل لفهمها: من أين جاءت؟ كيف تطوّرت؟ لماذا ترتبط بالشرف تارة، وبالأصل تارة، وبالجسد تارة أخرى؟ كيف تعكس بنية المجتمع، وعلاقته بالسلطة، وبالذكورة، وبالعار، وبالقداسة؟ دراسة لا تنظر إلى الشتيمة كقبح لغوي فقط، بل كوثيقة ثقافية، وكأثر جانبي للتاريخ، وكعلامة على توتّر دائم بين ما نريد قوله وما يُسمح لنا بقوله.

فالشتائم، مهما حاولنا إنكارها، هي جزء من لغتنا الحيّة، من وعينا الغاضب، من طريقتنا في الصراخ حين لا يُسمع صوتنا. هي ليست مفخرة، لكنها دليل. دليل على أن اللغة العربية، بكل جمالها، قادرة أيضًا على أن تكون سلاحًا، وأن اللسان الذي كتب أرقّ القصائد، هو ذاته الذي صاغ أقسى الإهانات.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.