يبدو أنّنا دخلنا أخيرًا مرحلة جديدة، مرحلة يمكن تسميتها بلا مبالغة بـ«القناعة القسرية». ليست تلك القناعة التي يتغنّى بها الوعّاظ، بل قناعة تُفرض بهدوء، كأنّ الرفاهية أصبحت ذنبًا عامًا، وعلى الناس التكفير عنه وحدهم.
الحكومة أعلنت دخول البلاد مرحلة التقشّف، وطُلب من المواطن، مشكورًا غير مأجور، أن يعيد النظر في كل تفاصيل حياته: ما يأكل، ما يشرب، كيف يُضيء بيته، وحتى ما يحلم به. الغريب أنّ هذه الدعوة لم تصل، أو ربّما لم يُرَد لها أن تصل، إلى الرئاسات والوزارات والبرلمان، وكأنّ التقشّف مرض مُعدٍ يُصيب الفقراء فقط.
بحسب الخطاب الرسمي، التقشّف ضرورة وطنية. لكن هذه الضرورة لا تُرى إلّا في الأحياء الشعبية، ولا تُسمع إلّا في صوت أب يحاول إقناع أطفاله أنّ «وجبة واحدة متكاملة» تكفي. أمّا في القصور والمناطق الخضراء، فالتقشّف هناك فكرة نظرية، تُناقَش ولا تُطبَّق، تمامًا كما تُدرَّس الديمقراطية دون أن تُمارس.
في العراق، يشبه التقشّف عملية جراحية غريبة: يُخدَّر فيها الشعب بوعود الإصلاح، وتُسحب من جيوبه مدّخراته القليلة، بينما تبقى ثقوب الفساد مفتوحة بلا حساب. الحكومة تتقشّف في الخدمات، والمواطن يُطلب منه أن يتقشّف في الأمل.
الموظّف يستلم راتبه متأخّرًا، يعيد الحساب أكثر من مرّة، ثم يكتشف أنّ الخلل ليس في الأرقام، بل في الحياة نفسها. راتب لا يكفي أسبوعًا، لكنّه، وفق التصريحات، كافٍ لبناء وطن، بشرط أن يتنازل صاحبه عن بعض الطعام، وبعض الدواء، وربّما عن كرامته.
أمّا المتقاعد، فهو الصورة الأوضح لفلسفة التقشّف. رجل أفنى عمره في الخدمة، ثم كوفئ براتب يصلح لاختبار الصبر لا لتأمين العيش. يُطلب منه أن يتحمّل، بينما يرى أنّ التحمّل مطلوب منه وحده، وأنّ الراحة حكرٌ على من قرّروا التقشّف من خلف زجاج سياراتهم المُظلّلة.
حتى أصحاب الشهادات العليا لم يكونوا استثناءً. لم تُرفع مكانتهم، بل خُفِّضت مخصّصاتهم، وكأنّ العلم ترف زائد. صار الدكتور يُعامل كعامل مؤقّت، والباحث يُكافأ بالصبر، وتحولت الشهادة من قيمة وطنية إلى عبء مالي قابل للحذف باسم التقشّف.
في المقابل، يتقشّف المسؤول بطريقة مختلفة: ساعة أقل سعرًا، موكب أصغر قليلًا، رحلة على درجة رجال الأعمال بدل الدرجة الأولى جدًّا. أمّا المواطن، فيُطلب منه أن ينام مبكّرًا لتوفير الكهرباء، ويُقلّل الاستحمام لتوفير الماء، ويستعين بالذكريات بدل الطعام.
التقشّف الحكومي يمتلك نظرًا حادًّا حين يتعلّق برواتب الموظّفين الصغار، لكنّه يُصاب بعمى مفاجئ عند الاقتراب من مخصّصات الكبار. هو تقشّف يعرف أين يضغط وأين يتوقّف، ويتخفّى خلف كلمات مثل «الضرورة» و«المصلحة العامة».
أيّ حزام يُطلب منّا شدّه؟ ذلك الذي التصق بظهورنا حتى كاد ينقطع؟ أم أحزمة الحمايات التي تكفي ميزانيتها لإعمار مدينة كاملة؟ التقشّف لا يقترب من رواتب المستشارين الذين لا يستشيرهم أحد، ولا من مواكب تخنق الشوارع، بل يذهب مباشرة إلى خبز الموظّف والمتقاعد.
ثم تأتي النصائح الرسمية للمواطن «المتقشّف»: اللحم مضر، الدجاج خطر، وغلاء الأسعار حملة صحية غير معلنة. السياحة؟ لماذا تركيا أو مصر، وأنت تستطيع قضاء عطلة مثيرة في طوابير الدوائر الحكومية؟ وحتى المشي تحت شمس تموز لم يعد ضرورة، بل نشاطًا رياضيًا لتعزيز اللياقة الوطنية. في النهاية، لم يعد السؤال: لماذا نتقشّف؟ بل: لماذا نتقشّف وحدنا؟
الوطن سفينة واحدة، نعم، لكنّ البعض في الدرجة الأولى، والبعض يُطلب منه التجديف. وعندما يُطلب من الفقير إنقاذ الدولة، بينما تُعفى الدولة من إنقاذ الفقير، يصبح التقشّف أداة ظلم لا سياسة إصلاح.
وحين لا يصعد التقشّف إلى الأعلى، بل يهبط دائمًا إلى الأسفل، سيشدّ الشعب الحزام أكثر إلى أن يختفي. ويبقى الكرسي في الأعلى ثابتًا، عريضًا، وناعم الحواف، بلا حرج ولا خجل.
وعندها، لا يعود الهتاف احتفالًا، بل اتهامًا صريحًا:
يحيا التقشّف الوطني، باكونا الحرامية.

