: آخر تحديث

في سوريا.. فواتير الكهرباء تثير الجدل

2
2
3

لم تعد الصرخات حيال فواتير الكهرباء في سوريا مجرّد شكاوى عابرة، بل تحوّلت إلى وجعٍ يوميٍّ ثقيل، يَطرق أبواب البيوت المُنهكة كما لو كان تذكيراً قاسياً بأن الحياة هنا لا تُقاس بالضوء، بل بقدرة الإنسان على الاحتمال. فالكهرباء التي بالكاد تُرى، صارت فاتورتها تُرى بوضوحٍ فادح، أرقامٌ فلكية تُسجَّل على أوراقٍ باردة، فيما القلوب ترتجف أمام سؤالٍ واحد: من أين؟

ما يحدث اليوم في ملف الكهرباء في سوريا ليس خطأً تقنياً، ولا سوء قراءة عدّاد، ولا خللاً عابراً في نظام الشرائح، بل هو تعبير فجّ عن نهجٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ يتعامل مع المواطن بوصفه الحلقة الأضعف، والجيب الأسهل، والصوت الأقل وزناً. ففواتير الكهرباء التي بلغت ملايين الليرات لا تعكس استهلاكاً حقيقياً بقدر ما تعكس عقلية جباية لا ترى في الناس سوى أرقام قابلة للعصر حتى آخر قطرة.

الكهرباء، التي بالكاد تصل، تحوّلت إلى أداة قهر جديدة. ساعات قليلة من التيار المتقطّع، لا تكفي لتشغيل حياة ولا لتدفئة بيت، تُقابل بفواتير تُطالب المواطن بما يفوق دخله السنوي أحياناً. هذه ليست أزمة خدمة، بل مفارقة سياسية فاضحة: خدمة غائبة، وفاتورة حاضرة، ودولة تطلب الدفع مقابل ما لا تُقدّمه.

يُقال للمواطن: هذا قرار إصلاحي. لكن أيّ إصلاح يُبنى على إنهاك الفقراء؟ وأيّ منطق اقتصادي يبدأ من رفع الأسعار قبل بناء الدخل، ومن تحميل المواطن كلفة الفشل بدلاً من محاسبة السياسات؟ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس، لا خنقهم.

المفارقة الأكبر أن هذه القرارات تُتّخذ في بلدٍ يعيش غالبية سكّانه تحت خط الفقر، ويعتمد جزء كبير منهم على رواتب تقاعدية أو أجور لا تكفي لأسبوع. متقاعد في حمص، مستأجر في اللاذقية، عامل يومي في حلب، جميعهم وُضعوا فجأة في مواجهة فاتورة كهرباء تُشبه حكماً بالإفلاس. ثم يُقال لهم: اعترضوا. كأن الاعتراض ترف، وكأن المؤسّسات التي أصدرت القرار مستعدّة فعلاً للاعتراف بالخطأ.

لكن الكهرباء ليست سوى فصل واحد في كتاب أثقل. الخبز، وهو الحد الأدنى من الأمان الغذائي، ارتفع أضعافاً. الغاز، وهو ضرورة لا رفاهية، تضاعف سعره مرّات. الاتصالات والإنترنت، التي باتت جزءاً من أبسط متطلبات العمل والحياة، قفزت أسعارها بلا أيّ مراعاة للقدرة الشرائية. الإيجارات تلتهم ما تبقّى، والرواتب تُستخدم كذريعة لا كحل. هذه ليست صدفة، بل سلسلة مترابطة من القرارات التي تدفع المواطن إلى زاوية العجز.

السلطة التي ترفع الأسعار دون أن ترفع مستوى المعيشة، لا تمارس إدارة، بل تمارس ضغطاً. وحين يصبح الضغط سياسة، تتحوّل الخدمات إلى وسائل إخضاع، ويُعاد تعريف “الصبر” بوصفه واجباً دائماً على الناس وحدهم، لا على من يقرّر عنهم.

الأخطر في كل ذلك هو الخطاب المصاحب. خطاب يطالب الناس بالتفهّم، بالصبر، بالتكيّف، وكأن التكيّف يعني القبول الدائم بالخسارة. لا أحد يرفض الإصلاح الحقيقي، لكن ما يُقدَّم اليوم ليس إصلاحاً، بل نقل مباشر للكلفة من الدولة إلى المواطن، ومن الأعلى إلى الأسفل، دون أيّ شبكة أمان، ودون أيّ مساءلة.

السياسة التي لا تضع الإنسان في مركزها، سياسة محكومة بالفشل، مهما طال أمدها. فلا يمكن بناء استقرار على فواتير خيالية، ولا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي فيما الناس تُحاسَب على كهرباء لا تراها. الكرامة ليست شعاراً، بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط الحقوق: أن تكون الفاتورة منطقية، وأن تكون الخدمة حقيقية، وأن يكون القرار قابلاً للنقاش لا مفروضاً كأمر واقع.

إنّ المسألة لم تعد اقتصادية فحسب، بل أخلاقية وإنسانية بامتياز. فالتلاعب بأقوات الناس اليومية ليس قراراً إدارياً عابراً، بل مساسٌ مباشر بكرامتهم وحقهم في العيش. لا طاعة لسياساتٍ لا ترى الإنسان، ولا شرعية لقراراتٍ تُفاقم العجز بدلاً من أن تُخفّف عنه.

في سوريا اليوم، لا يطالب الناس بالرفاه، ولا حتى بالعدل الكامل، بل بشيءٍ أبسط وأكثر بداهة: أن يُترك لهم هامشٌ صغير للتنفّس. أن لا يتحوّل الضوء، الذي طالما كان رمزاً للأمل، إلى عبءٍ يخنقهم في آخر الليل.

اليوم، لم يعد السؤال: هل الفاتورة صحيحة أم لا؟ بل: إلى أين يُراد للمجتمع أن يصل؟ هل المطلوب دفع الناس إلى الانفجار الصامت، أم اختبار حدود صبرهم إلى أقصى مدى؟ فالتاريخ علّمنا أن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تُستنزف ببطء، بقرارات صغيرة متراكمة، حتى يصبح العيش نفسه عبئاً.

فواتير الكهرباء ليست مجرّد أرقام، بل مؤشّر خطير على مسارٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ يحتاج إلى مراجعة شجاعة وفورية. لأن الاستمرار في هذا النهج لا يعني سوى شيء واحد: مزيد من الفقر، مزيد من الغضب، ومزيد من الانفصال بين القرار ومن يدفع ثمنه.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.