: آخر تحديث

قامشلي في عشية مئويتها: خطاب التعايش في مواجهة مخطط آلة الإرهاب

3
3
3

بينما تستعد مدينة قامشلي أن تحتفل بمئويتها في العام الجاري 2026، إذ انتقل إليها الفرنسيون من بياندور قبل مئة عام كي تصبح حامية لهم، بدأ الأمر من خلال بناء بيوت لسائسي خيولهم في أحد الأحياء القديمة، ولربما كان آنذاك ثمة خيمة واحدة في موقع سوق الهال، العرصة القديمة، بفتح العين والراء والصاد، والعَرَصَة في العربية هي الساحة، إلى جانب منازل آل قدوربك المللي وغيرهم. فإن المشهد كله كان أقرب إلى نواة صامتة تنتظر من يوقظها، حيث لم يكن في المكان ما يدل على مدينة ستغدو لاحقاً قلب الجزيرة النابض، وإنما أثر أقدام وجدران أولى وماء قليل وأناس يراهنون على البقاء.

بعد قرن كامل من تطور هذه المدينة، اعتماداً على جهود بنيها المؤسسين، استطاعت حكمة الرعيل الأول، ومن ثم الأجيال المتتالية من بناتها، أن تتغلب على التحديات التي كانت تظهر تترى، حيث كانت كل أزمة تُقابَل بعقل بارد لا بانفعال، وكل شرخ يُداوى بكلمة صلح لا بصوت خصومة، سواء في عهد الانتداب الفرنسي الذي حاول أن يزرع ويترك وراءه عوامل التناحر بين أبناء البلدة من خلال ثنائية الجذب والنبذ، أو في العهود المتتالية التي توارثت الشكوك ذاتها، إذ ظل الهدف تفكيك النسيج كي يسهل التحكم بالمكان، غير أن إرادة الأهالي كانت أسبق من تلك الحيل، وهكذا بقيت الروابط أقوى من المكائد.

ومعروف لدى قارئ التاريخ المعاصر كيف تنامى لاحقاً فكر عنصري، وصبّ أسيد مستنقعه المذوَب على رباط البيت الواحد، فحاول أن يحول الجار إلى خصم وأن يزرع الشبهة بين أبناء الحي الواحد، إلا أن حكمة متوخاة كانت تظهر دائماً من قبل الحكماء والعقلاء، فتنطفئ النار قبل انتشارها. ومن هنا، فقد التصق بالمدينة لقب مدينة الحب ثم عاصمة الحب، إذ شعر بنوها، وهم في الوطن أو وهم مذررون في المنافي، أن ما يجمعهم أوسع من حدود الجغرافيا، وأن الأواصر التي تشكلت عبر عقود لا يمكن كسرها بخطاب عابر أو منشور تحريضي.

بالرغم من ذلك، ظهرت سرديات تريد اختزال قامشلي في محض مكوّن واحد، من قبل سرديات متنوعة المصادر المتناقضة، من قبل منتمين لأكثر من مكوّن، حيث دُبجت حكايات لا تصمد أمام واقع التاريخ أياً كان مصدرها، قوموياً عنصرياً خرج من مختبرات الناصرية والعفلقية، أو أساطير معتقدية لا تقوى أمام تكاتف روح الكردي والعربي والمسلم والمسيحي واليهودي والكردي الإيزيدي. إذ أثبت العيش المشترك أن المصالح اليومية أقوى من خطابات الإقصاء، غير أن الأسدين الابن والأب قدّما نموذجاً بالغ السوء في إدارة هذا الحقد، وزرعا بذور فتنة انتشَت لاحقاً، فصار الانقسام سياسة لا خطأً عارضاً.

لقد التقت نزعة قوموية متصلبة مع خطاب إسلاموي مسيّس، فنتج مزيج أشد قسوة، وهكذا صارت المدينة هدفاً مزدوجاً. ومع ذلك أكرر هنا أنني أحترم قوميات سواي لأني أحب قوميتي ورؤاي الإيمانية، وأقف مع ذوي في أوقات المحن، شريطة تعاطفي الإنساني مع كل المختلفين بانتماءاتهم المتعددة، من دون خروج عن معادلة الحرص عليهم واعتبارهم أسرتي، ما عدا أولئك الذين يسعون تنظيراً وممارسةً لإبادة الآخر عبر جينوسايد، إذ يتسترون بشعارات وهمية ويطلقون أشنع الصفات على الكرد، في الوقت الذي يبيّضون صفحات من مارسوا الإرهاب فعلاً، ويريدون من الكردي أن يخلع كرديته جانباً وأن يخضع لأي قادم جديد وفق ميزان منفعة متقلب وتصفيق لأي سلطة مستجدة.

وحقيقة، فقد بلغ التهديد ذروته في المرحلة الراهنة، حيث استلمت دفة الحكم ميليشيات جهادوية اعتمدت على جهاديين من الإعلامويين ومدّعي الناشطية، وكان جلهم من ضمن مركبات النظام السابق، فتحولوا أدوات لسلطة دمشق الجديدة، يترجمون رؤاها ويوغرون صدرها ضد الكرد، ويصورون المشهد على أن العداء موجّه إلى قسد، مع أن هذه القوات كانت نقطة ارتكاز في ضبط معادلة الأمن وتكنيس مساحات واسعة من الإرهابيين، بالرغم من وجود نقود ومآخذ كثيرة على سياسات من يقفون وراءها، وصلت إلى حد القطيعة والتأليب من جانب أصحاب موقف مماثل لي، إذ إن النقد حق ولا قداسة لأحد، غير أن قلب الحقائق إلى تحريض أمر آخر.

ثمة من يعمل على نشر الرعب بين أبناء المدينة بزعم خطر بين العرب والكرد، حيث تُطلق شائعات مقصودة لزرع خوف متبادل، فيغادر أهل منازلهم على عجل، بينما تستقبل قامشلي دفعات جديدة من النازحين في كل مرحلة، فتحتضن اليوم نازحي كوباني ومناطق كردية وسورية أخرى، وتمتلئ المساجد والأماكن العامة بهؤلاء المنهكين. وهكذا يظهر تناقض صارخ، مدينة تُخوَّف من أهلها وتفتح ذراعيها للغرباء في الوقت عينه، بينما تُرمى صنارة الهدنة بدعوى اتفاق محدود، بالرغم من أن مطالب الكرد أكبر من تلك الصيغة، إذ إن حكومة دمشق خرقت الاتفاقات محطةً محطةً منذ الغدر بأبناء الشيخ مقصود والأشرفية، ومحاولات اختراق هيكلية قسد واستمالة أبناء قبائل انضووا تحت رايتها أكثر من عقد، مع بقاء كثيرين أوفياء لعهدهم.

كانت قامشلي ولا تزال خيمة واسعة، حيث يستظل اليهودي والسرياني والكردي والعربي والإيزيدي تحت سقف واحد، ويعيشون في أمن وسلام ومحبة، وتشتد عرى علاقتهم أمام كل تحدٍّ عارض أو مفتعل، إذ إن الجيرة اليومية أقوى من خطاب سياسي طارئ. غير أن أدوات النظام السابق الذين سعوا طويلاً للفتك بهذا الرباط يواصلون محاولات نسف الجسد القامشلاوي الجزري الواحد رغبةً في فرض لون واحد لا يشبه لحظة التأسيس.

ولا بدَّ من الإشارة إلى أنه قد ظهر في المدينة مبدعون كبار من المكونات كلها، إذ خرج شعراء وفنانون وعلماء ورجال دين ورياضيون ورجال أعمال، وكان المحيط كله سلة غذاء سوريا، غير أن نظام البعث أهملها وتعامل معها كمنبع استنزاف، فاستخرج خيراتها ولم يرد لها حقها، وأفتك أكثر من نصف قرن بالبنيان المجتمعي، وما يتم الآن امتداد لذلك المسار ولكن بوتائر أشد خطورة من قبل نظام دمشق الجديد وأدواته.

وهكذا، فقد اجتمع السرياني والآشوري والكردي ممن استهدفتهم سياسات العثمانيين وتركيا الأتاتوركية، وقطنها العربي في اللحظة التاريخية ذاتها تقريباً، لذلك لا يسوغ الادعاء أن أحداً سبق الآخر في الأحقية، فالتأسيس كان مشتركاً، وكل تزوير يراد منه ضرب المكونات ببعضها يصطدم بذاكرة الناس التي تحفظ الوقائع أكثر من أي ورقة.

من هنا، فإن قامشلي تظل اسماً جامعاً لا يقبل القسمة، وتظل علاقتها الداخلية رصيدها الأغلى والأبقى، إذ إن على دمشق أن تكف عن تخريب هذا البنيان وأن تصون شبكة العلاقات التي نسجها الأبناء عبر قرن كامل، لأن المدينة ليست ساحة صراع بل بيتاً مشتركاً، ومن يحاول كسر هذا البيت إنما يعتدي على تاريخ كامل وعلى أجيال صنعت حياتها حجراً حجراً وعرقاً عرقاً.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.