لم يعرف أي رئيس للجمهورية اللبنانية، منذ إقرار اتفاق الطائف عام 1989، حجم الأعاصير التي يواجهها الرئيس الحالي جوزاف عون اليوم. فالرجل لم يرث فقط أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، بل تسلّم سدة الرئاسة في لحظة تاريخية تقف فيها منطقة الشرق الأوسط على مفترق طرق حاسم، حيث يتقاطع الانهيار الداخلي مع تحولات إقليمية ودولية عميقة تعيد رسم خرائط النفوذ، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل لا يزال لبنان دولة قابلة للحياة؟
منذ الطائف، تباينت أدوار الرؤساء وحدود حركتهم. الرئيس إلياس الهراوي حكم في ظل وصاية سورية كاملة، حيث كانت القرارات السيادية تُتخذ من خارج القصر الجمهوري، فيما أُدير أكثر من نصف عهد الرئيس إميل لحود بالمنطق ذاته، مع فارق أن ميزان القوى الداخلي بدأ يميل تدريجيًا لمصلحة حزب الله بعد الانسحاب السوري عام 2005. أما في عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم ميشال عون، فقد بلغت قوة الحزب ذروتها، سياسيًا وعسكريًا.
اليوم، يقف رئيس الجمهورية جوزاف عون حاملًا كرة نار حقيقية. جنوب لبنان مهدد في أي لحظة بالانزلاق إلى حرب شاملة مع إسرائيل، في ظل اشتعال الجبهة وغياب أي ضمانات للتهدئة الطويلة الأمد. في المقابل، تقع المناطق الشمالية والشرقية على فوهة بركان قد يتفجر في أي لحظة نتيجة الترسبات المتعلقة باشتراك حزب الله بالحرب السورية، وانضمام الرئيس السوري الجديد إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وإعلان توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، أن الرئيس الشرع تعهّد بمحاربة التنظيمات الموضوعة على لوائح الإرهاب، وعلى رأسها حزب الله. وبين هذه الجبهات المفتوحة، يجد جوزاف عون نفسه مطالبًا بلعب دور رجل الإطفاء في بلد بلا ماء ولا أدوات.
يحاول الرئيس الجديد العبور بلبنان إلى برّ الأمان، مدركًا أن اللحظة مصيرية وغير مسبوقة. فهو يعلم في قرارة نفسه أن الخطاب العربي والغربي تغيّر جذريًا: لم تعد تصريحات المسؤولين الدوليين مقتنعة بلبنان كدولة ذات سيادة قادرة على الإصلاح. في أحسن الأحوال، يُنظر إليه كملف إنساني أو ساحة صراع مؤجلة، لا ككيان سياسي متماسك.
الخطر الأكبر الذي يواجه الكيان اللبناني اليوم هو خطر التفتيت. فجوزاف عون ورث منظومة سياسية مهترئة فقدت أي رابط وطني جامع. معظم الأطراف اللبنانية توالي الخارج على حساب الداخل، وتبني قوتها من ارتباطها بمحاور إقليمية ودولية متصارعة. هذا الواقع أنتج انقسامًا سياسيًا عميقًا بين فريقين، كلٌّ منهما يحاول جرّ رئيس الجمهورية إلى تبنّي سياسة متطرفة، فإما الالتحاق الكامل بمحور إقليمي معيّن، أو الدخول في مواجهة شاملة قد لا تُبقي ولا تذر.
وفي الإطار الأوسع، يقبع الشرق الأوسط بين نفوذ قوتين إقليميتين صاعدتين: إسرائيل وتركيا، في ظل تراجع النفوذ الإيراني والارتباك الدولي. المعادلة المطروحة على دول المنطقة قاسية: إما أن تكون محسوبًا على أحد المحورين فتحترق بنار الآخر، أو تحاول الوقوف في المنتصف فتُسحق. ولبنان، بضعفه البنيوي وانقساماته الداخلية، يبدو الحلقة الأضعف في هذا الصراع المفتوح.
أما الدول العربية، فقد وصلت إلى مرحلة متقدمة من خيبة الأمل. فبعد سنوات من المبادرات، والدعم المالي، والمؤتمرات الدولية، اصطدمت جميعها بجدار الطبقة السياسية اللبنانية وعجزها، أو رفضها القيام بمبادرات حقيقية إصلاحية. لم يعد لدى العواصم العربية استعداد لضخ الأموال في نظام يبدّد الفرص ويعيد إنتاج الأزمات، ويتخلف عن بسط شرعيته على الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد السلطات الأمنية.
وفي ظل هذه العوامل، يبدو أن رئاسة جوزاف عون ليست مجرد ولاية دستورية جديدة، بل محاولة أخيرة لإنقاذ فكرة لبنان نفسها. نجاحه أو فشله لن يُقاس بعدد القوانين أو الخطابات، بل بقدرته على منع الانهيار الكامل، والحفاظ على الحد الأدنى من وحدة الدولة، في زمن تتكسر فيه الدول الصغيرة تحت أقدام الصراعات الكبرى. إنها رئاسة في عين العاصفة، حيث النجاة بالبلد سيكون إنجازًا بحد ذاته.
#لبنان #جوزاف_عون #رئاسة_الجمهورية #الطائف #الشرق_الأوسط #الاستقرار #السيادة


