منذ وقتٍ ليس ببعيد، كان أنصار فكرة «الأرض المسطّحة» يُعدّون غرابةً محصورةً في منتديات هامشية. أمّا اليوم، فتتداول ادّعاءات زائفة علمياً مثل أن «الضوء الأزرق سام» أو أن بعض العلاجات الطبية تعمل عبر «فيزياء كمّية شمولية» بالقوة نفسها، وأحياناً بوقعٍ عاطفي أعمق، التي تحظى بها بيانات منظمة الصحة العالمية.
المقلق في كل هذا، إلى جانب المحتوى نفسه، أن المتحدثين باسم مثل هذه الادّعاءات ليسوا مهنيين في المجال الذي يبدون آراءهم فيه، بل مشاهير و«مؤثرين» رقميين لديهم آلاف المتابعين، لكن بلا أي تكوين علمي يُذكر. ربما بسبب خيبة الأمل، أو بدافع النرجسية، أو نتيجة ميلٍ تآمري، يمنح بعض الأفراد أنفسهم شهادات في «علمٍ مُستبطَن»، ثم يطالبون بحق نشره والترويج له.
هذه الظاهرة، التي لم تعد شيئاً طريفاً أو عابراً بل أصبحت بنيوية، تكشف أن السلطة الثقافية في عصرنا تُبنى على الشعبية بدلاً من المعرفة. في النقاش العام، سواء في وسائل الإعلام التقليدية أو على الشبكات الاجتماعية، ينافس صوتُ الخبير، وغالباً ما يخسر، أمام صوت الشخصية المشهورة. لماذا يمنح الرأي العام كل هذه المصداقية لأصوات بلا تأهيل متخصص؟
يحدث هذا عادةً، كما يقول خبراء المنطق غير الصوري، بسبب مغالطة «الاحتكام إلى سلطة غير ذات صلة». وهي الخطأ المنطقي الذي يقع عندما تُؤخذ عبارة على أنها صحيحة فقط بسبب مكانة قائلها، بالرغم من أن سلطته لا علاقة لها بالموضوع الذي يتحدث عنه. نرى أمثلة يومية على ذلك في منصاتٍ ينشر فيها لاعبو كرة القدم معلومات عن صحة الخلايا، ويُفتي فيها ممثلون في الفيزياء الكمّية، أو يضع فيها طهاةٌ نظرياتٍ تربوية. ويضيف علماء النفس الاجتماعي أن هذا مرتبط بتأثير «الهالة»، فعندما يعجبنا شخص ما، لكونه موهوباً أو وسيماً أو ثرياً، نسقط ذلك البريق على مجالات لا صلة لها به. فكون فنانٍ ما بارعاً في كتابة الأغاني ويؤثر فينا لا يجعله خبيراً في الأورام الأيضية. نحن ندرك هذا الفخ، ومع ذلك فإن عقولنا، التي تكره التعقيد، تميل إلى مساواة المكانة بالكفاءة، حتى حين تكون تلك الكفاءة متخيَّلة.
لا شك أن دحض حجةٍ ما بالاستناد حصرياً إلى مهنة قائلها يُعدّ مغالطةً مماثلة. غير أنه، إذا كانت حجج ذلك القائل من قبيل «البيولوجيا هي البيولوجيا ولا تحتاج إلى دراسات»، فلا مجال للنقاش، خاصةً إذا كان الشخص نفسه يؤكد في مناسبة أخرى أن «لا شيء مما أشاركه مختلَق. ليست وجهة نظر شخصية. إنها بيولوجيا الحقيقية». هذه تعليقات حقيقية لرياضي يتابعه أكثر من مليوني شخص على إنستغرام، حيث تكون البيولوجيا لديه أحياناً سلطة لا تُناقَش، وأحياناً أخرى علماً لا يحتاج إلى دراسة.
إذا أرادت شخصية عامة أن تتحدث عن «البيولوجيا الحقيقية»، فعليها أن تمر عبر ما تمر به البيولوجيا «الحقيقية»: تراكم الأدلة، مراجعة الأقران، التجارب السريرية، الدراسات القابلة للتكرار، ونِسَب عدم اليقين. لكن ما يصل إلى المستخدم في الواقع هو ادّعاءات، إضافةً إلى مبالغتها، تُشوّه القليل مما نعرفه بدرجة من اليقين النسبي. لذلك، لا يمكن بأي حال اعتبار تحويل فرضيات مختبرية إلى حقائق مطلقة للاستهلاك الجماهيري «تبسيطاً علمياً». إنه تسويق متلفّع بهالة علمية.
الهرمية الجديدة للمعلومات تضع ملايين الأشخاص بين أيدي مُتواصلين كاريزميين بلا، أو بقليل من، التأهيل، وبقوةٍ يصعب على التبسيط العلمي مجاراتها دون تغييرٍ في الاستراتيجية. فالخبير يتحدث بتحفّظ، وبنِسَب، وبحذر. أمّا المؤثر فيتحدث بيقينٍ وعناوين لامعة، مناسبة لمقطعٍ مدته خمس عشرة ثانية. وفي اقتصاد الانتباه، حيث قد يعني كل ثانية شكّ خسارة المشاهد، غالباً ما يفوز الأكثر تبسيطاً.
تنبع أهمية معالجة هذا الموضوع من أنه، إلى جانب الصحة العامة، يمسّ أيضاً النقاش الديمقراطي، ومحو الأمية العلمية، وفي نهاية المطاف جودة التفكير الجمعي. فإذا اعتاد المواطنون الثقة بالسرديات الشخصية أكثر من البيانات، ستضعف الآليات التي تدعم اتخاذ قرارات رشيدة في قضايا متباينة مثل تغيّر المناخ، والصحة الجسدية والنفسية، والتقدم التكنولوجي. ليست المسألة تأليه الخبراء ولا شيطنة المشاهير، بل عدم الخلط بين أدوارهم.
قد يكون الخبراء غير كاملين، يخطئون، ويختلفون فيما بينهم، ويحملون تحيزات. ومع ذلك، فقد كرّسوا حياتهم لفهم ما لم يطّلع عليه الآخرون إلا لماماً، وعندما يتحدثون ضمن مجالهم، فإن كلامهم ليس مجرد رأي آخر، بل هو حصيلة مؤقتة لجهدٍ جماعي يهدف إلى الاقتراب من «الحقيقة». وفي المقابل، يملك آخرون قدرة على الإلهام والترفيه والتحفيز، وهذا له قيمة حقيقية. لكن الإلهام ليس هو الإعلام، والهيبة السائدة لا تعادل المتانة الفكرية.
في عصر الشك واللايقين، يجدر بنا أن نتذكر أن الدليل لا يُصوَّت عليه، ولا ينتشر بالفيروسية، ولا يُرتجل. العلم ليس معصوماً، لكنه يملك شرف تصحيح نفسه. أمّا الخوارزميات، فلا تُصحّح إلا ما يقلّل عدد النقرات. والسؤال الأهم في النهاية ليس: لماذا يتحدث المشاهير وكأنهم سلطة علمية؟ بل: لماذا نحن نصغي إليهم؟


