تعيش مدينة كوباني، التي غدت رمزاً عالمياً لمقاومة الإرهاب والصمود، حصاراً مطبقاً منذ عشرة أيام، إذ أُغلقت الطرق، حيث تحوّلت الحاجات اليومية إلى مواد نادرة، وصارت شروط الحياة نفسها مسألة حساب ساعات لا مسألة تخطيط حياة، وهكذا انتقلت المدينة وريفها من حالة عيش بسيط عادي، في مدينة منتجة زراعياً، إلى حالة إدارة قسرية لكل نفس يدخل الصدر ويخرج منه. هذا الواقع لم ينشأ من كارثة طبيعية، إنّما من قرار سياسي عسكري واضح يقضي بإحكام الطوق وترك السكان يواجهون النقص وحدهم.
خمسة أطفال فقدوا حياتهم في يوم واحد بسبب ظروف الحصار، أحدهم بسبب انعدام الأوكسجين في الحواضن، بينما قضى الآخرون بسبب البرد والجوع والعطش وانقطاع الحليب والطحين والدواء والأوكسجين عن المدينة، إذ إن الحاضنات بقيت تعمل في حدود دنيا ثم باتت تتوقف، حيث لم يعد في المكان ما يسند أجساداً هشّة، ومن هنا يتكشّف أن الحصار لا يضغط على خطوط القتال فحسب، بل على الأسرّة الصغيرة داخل غرف الإسعاف، وأن الضحية الأولى ليست بندقية بل ذلك الطفل الذي لا يملك سوى حق التنفّس. هذا الحدث يضع الوقائع في إطار صريح لا يحتمل أي تأويل أو تفسير، سوى الغاية المرهونة بالحصار من قبل الرؤوس الحامية اعتماداً على شحن إقليمي وموافقة دولية، بالرغم من أنّه لا يمكن تسويغ موت الرضّع تحت أي ذريعة سياسية، ناهيك عمّا يجري للمدنيين عامة، ومن بينهم الشيوخ والمرضى، بل سائر المواطنين العزّل.
بعد تقارير حقوقية وضغوط إعلامية، أُعلن خبر قدوم قوافل مساعدات إغاثية إنسانية منذ العاشرة من صباح هذا اليوم، كما أعلنت وزارة الدفاع فتح «ممرات إنسانية» في كوباني والحسكة، حيث قُدّم الإعلان على أنّه استجابة إنقاذ لما يتم في كوباني، إنّما السياق يشي بعكس ذلك، إذ إن الممر يولد من رحم الطوق نفسه، ولا سيما أنّ ميليشيات دمشق قد بدأت دخول منطقة كوباني فعلياً، وسيطرت على حوالي ستين قرية من أصل 365 قرية تابعة لمدينة كوباني. إنّه فك الحصار مع بدء تنفيذ حرب ما تُسمّى الحكومة على مدنيين يُفترضون أنّهم من سكانها.
هذا القرار يُطرح، كما أشرنا، بعد استنزاف طويل، إذ يبدو الإعلان أقرب إلى ترتيب مشهد لاحق منه إلى خطوة إغاثة فعلية. من هنا يتّضح أن المفردة الإنسانية تُستعمل غطاءً لغوياً، بينما يبقى القرار الميداني ثابتاً.
ولا بدّ من التوضيح هنا أن الوقائع الميدانية تفرز نمطين من الممرات: نمط يسمح بدخول المساعدات ويُثبت الناس في بيوتهم، ونمط آخر يفتح باب الخروج تحت التهديد، حيث يُجمع المدنيون في نقاط محدّدة، ويجري تفتيشهم واستنطاقهم وتصويرهم، ثم يُعرض خروجهم المأساوي دليلاً على أنّ الطريق مفتوح، وهكذا تتحوّل الكاميرا إلى وثيقة إبراء ذمّة معتدٍ، ويتحوّل الناجي إلى محض شاهد يُستفاد من شهادته ضد من بقي، حتى ولو كان ابناً أو أخاً أو أمّاً أو ابنة. هذا النمط الثاني لا علاقة له بالإغاثة، إنّما يعمل كقناة اقتلاع منظّم كأداة تهجير قسرية.
فمن المعروف من قبلنا جميعاً أن «الهدنات» المعلنة في هذا الإطار لا تخفّف الضغط، إذ إنّها تمنح مجرّد مهلة قصيرة تتراكم فيها المخاوف، حيث تنتشر الشائعات ويتزايد القلق، فيصبح القرار بين البقاء والخروج قراراً تحت آلة الإكراه، وهكذا يُدفع المواطنون العزّل إلى التحرّك قبل بدء أي هجوم واسع، ثم يُقال لاحقاً إن من غادر فعل ذلك طوعاً. هذه الصيغة تُسوّغ عملية لاحقة وتُحمّل الضحية عبء الاختيار.
من هنا، ثمّة سؤال مباشر يفرض نفسه: لماذا الحرب أصلاً وليس الحوار؟ أهو مسعى لاستعادة مشهد احتلال كوباني عام 2014، أم رغبة في الثأر من مدينة رمزية مطلوبة الصون والحماية الأممية، أزاحت تنظيم داعش من شوارعها وكسرت مشروعه، حيث بقي ذلك الانكسار جرحاً مفتوحاً لدى قوى لم تنس الهزيمة، باعتبار أن كثيرين ممّن يهاجمون كوباني الآن هم من مهزومي داعش والميليشيات الراديكالية. مثل هذا السؤال لا يحمل بعداً نظرياً، إنّما يرتبط بتوقيت التصعيد وطبيعته، لأن العودة إلى السلاح بعد كل تلك التجارب تشير إلى نيّة عقابية ثأرية جاهلية، لا إلى مسار تفاوضي.
أجل، إن الحديث عن «ممر إنساني»، كما كان في زمن أبي بكر البغدادي وبات يتكرّر في زمن أبي محمد الجولاني، لا يتعلّق بأسماء أشخاص، إنّما يتعلّق بتشابه وسيلة، حيث يتغيّر الشعار وتبقى الآلية: حصار وتطويق، ثم تجويع، ثم فتح ثقب أو ثغرة ضيّقة في الأسوار النارية تحت مسمّى الرحمة أو الإشفاق، ومن ثم استخدام جمهرات الأبرياء العزّل الناجين لتسويغ اقتحام شامل. وهكذا يتكرّر المشهد بين حصار 2014 وحصار 2026 مع اختلاف اليافطات، باعتبار أنّه حين تتطابق الطريقة تسقط الذرائع.
وحيث إن القانون الدولي يربط الصفة الإنسانية بالأمان الفعلي وحرية الحركة، فإن أي طريق يُفرض تحت تهديد السلاح أو تحت احتمال الاعتقال يفقد صفته فوراً، ومن هنا فإن أي قصف يلي إعلان الممر يُعد فعلاً موثّقاً سلفاً لا حادثاً طارئاً، لأن الإعلان نفسه صار جزءاً من الخطة العسكرية. بهذه القراءة يتّضح أن المسألة لا تتعلّق بإدارة أزمة بل بإدارة إخراج سكاني.
إن مدينة كوباني، البطلة بشهادة العالم الحر كله، لا تطلب طريقاً للهروب، إنّما تطلب رفع الحصار، إذ إن إدخال الطحين والدواء والأوكسجين يكفي كي تبقى الأسر في بيوتها، حيث لا أحد يغادر أرضه مختاراً في ظروف مستقرة، وهكذا يتأكّد أن المطلب بسيط ومباشر: مجرّد أمان في المكان لا نزوح أو تهجير إلى مكان ثانٍ عبر جرم مُدان، لأن أي مسار يدفع السكان إلى الخروج تحت الضغط يحمل اسماً واحداً هو التهجير القسري مهما تغيّرت التسميات.
بهذه الإضاءة يغدو من الواجب تماماً تسمية الأشياء بدقّة، فالممر الذي يجلب الغذاء هو إغاثة، والممر الذي يقتلع السكان اقتلاعاً منظّماً هو تهجير، والخلط بين الاسمين ليس إلا تضليلاً متعمّداً. اللغة هنا ليست مجرّد بذخ استعاري بلاغي، بل محض حامل إبلاغي إخطاري دلالي إنذاري، لخوض حرب مُدانة في ساحة مواجهة لا تحتمل، بعيداً عن القيم الإنسانية، إذ إن المفردة الخاطئة تمنح الغطاء لما لا يجوز منحه. من هنا تبقى الحقيقة واضحة، ألا وهي أن رفع الطوق يوقف الموت، أمّا فتح ثغرة للفرار فلا يغيّر واقع وأهداف الحصار.

