: آخر تحديث

بيروت... حين تصير المدينة نصًّا

8
8
8

بيروت ليست مدينة تُوصَف فحسب، بل مدينة تُكتب وتُعاش في آنٍ معًا. منذ أن خرجت الحروف الأولى من مطابعها، بدا وكأن هذه المدينة اختارت الأدب قدرًا، واختارها الأدب موطنًا. في تاريخها الحديث، لم تكن عاصمة سياسية فحسب، بل عاصمة للكلمة العربية، ومختبرًا مفتوحًا للأفكار، وميناءً ثقافيًا عبَر من خلاله الأدب إلى العالم العربي. لم تحتوِ بيروت الكلمة، بل صارت الكلمة جزءًا من حياتها اليومية، تتماهى مع شوارعها ومقاهيها ومكتباتها، فتتكرّر التجربة نفسها لكل من يكتب عنها: المدينة تمنح الكلمة بقدر ما تختبر صادقها.

في أواخر القرن التاسع عشر، مع انتشار الطباعة والصحافة، بدأت بيروت تشق طريقها نحو ما يمكن تسميته بـ«مدينة الكتاب». لم يكن هذا التحوّل تقنيًا فحسب، بل حضاريًا، فالصحف والمجلات والمنتديات الفكرية أصبحت جزءًا من نبض المدينة، ومصدرًا للقاء بين التراث العربي والفكر الغربي، بين الكلاسيكية والحداثة. هذا التلاقح لم يكن مجرّد تداخل للثقافات، بل حوارًا دائمًا لم يخلُ من التوتّر والخصوبة، ومن هذا التوتّر وُلد الأدب البيروتي، أدب يمزج بين الموروث والابتكار، بين التجربة الفردية والذاكرة الجمعية.

ما يميّز التجربة الأدبية في بيروت أنّها لم تنغلق على نفسها، ولم تتقوقع في محليّتها. كانت المدينة مفتوحة للكتّاب العرب، لا بوصفهم ضيوفًا، بل شركاء في صناعة مشهد ثقافي واسع النطاق. لذلك لم يكن غريبًا أن تتحوّل بيروت، خلال القرن العشرين، إلى دار نشر العرب غير المعلنة، وإلى مساحة حرّة تُطرح فيها الأسئلة التي لا تُطرح في عواصم أخرى. وهنا تولد النصوص التي تحمل توقيع الحداثة، نصوص تجري في الشريان الأدبي العربي كما تجري الحياة نفسها في شوارع المدينة.

في الشعر، لعبت بيروت دورًا محوريًا في إعادة تعريف القصيدة العربية. في خمسينيات القرن الماضي، بدأت مغامرة الحداثة الشعرية تأخذ شكلها الأكثر جرأة ووضوحًا. لم يكن الأمر كسرًا للوزن أو الشكل، بل إعادة مساءلة للغة نفسها: ما الشعر؟ وما علاقته بالوجود والحرية والمدينة؟ هنا، في قلب بيروت، خرجت نصوص حملت توقيع أدونيس، ويوسف الخال، وأنسي الحاج، صانعين لبنات أساسية في الشعر العربي الحديث. لم تكن المدينة خلفية محايدة، بل كانت مادة حيّة، شوارعها، مقاهيها، صخبها، تناقضاتها، وانفتاحها القلق على العالم.

لكن بيروت لم تكن مدينة الشعراء اللبنانيين وحدهم. كثيرون من شعراء العرب كتبوا لها، وغنّوها، ورأوا فيها أكثر من مجرّد مدينة. رأوها فكرةً، وموقفًا، وملجأً رمزيًا. بيروت التي تُغنّى ليست الحجر والبحر فقط، بل الحرية الممكنة، واللغة التي لا تُراقَب، والاختلاف الذي لا يُجرَّم. حين كتب لها الشعراء من خارجها، كتبوا كما لو كانوا يكتبون عن مدينة داخلهم، تمنحهم ما حُرموا منه في أوطانهم.

وبالرغم من ذلك الوجه المضيء، لم تنفصل بيروت عن وجعها. الأدب الذي كُتب عنها لا يخلو من الألم، بل يكاد يكون الألم عنصرًا تأسيسيًا في صورتها الأدبية. الحروب، والانقسامات، والانفجارات، والانهيارات المتتالية لم تُلغِ حضور المدينة في النص، بل عمّقته. صارت بيروت في الرواية والقصيدة رمزًا للإنسان العربي الممزّق بين الحلم والكارثة، بين الرغبة في الحياة وعبث التاريخ. في الرواية، ظهرت بيروت كمدينة تختبر أخلاق ساكنيها وتضعهم أمام أسئلة المصير والانتماء والهوية. لم تُقدَّم بوصفها مدينة مثالية، بل مدينة حقيقية، متناقضة، قاسية أحيانًا، وسخيّة أحيانًا أخرى. وهذا ما منح النصوص التي اتّخذتها مسرحًا صدقيتها وقوّتها، فبيروت ليست ديكورًا، بل فاعلًا سرديًا، شخصية لها مزاجها وتقلباتها.

أمّا في الأغنية، فقد تحوّلت بيروت إلى لازمة وجدانية في الذاكرة العربية. غُنّيت بوصفها الحبيبة، والأم، والجريحة، والعائدة دائمًا من تحت الركام. الغناء لبيروت لم يكن مجرّد متعة فنية، بل فعل تضامن وجداني، ومحاولة لإعادة ترميم المعنى حين تعجز السياسة عن ذلك. وهكذا انتقلت المدينة من النص المكتوب إلى الصوت، ومن القصيدة إلى اللحن، دون أن تفقد عمقها الرمزي.

ما يجمع كل هذا الإرث الأدبي هو أن بيروت لم تُختزل يومًا في صورة واحدة. هي مدينة الاحتمالات المفتوحة، ولهذا أحبّها الأدباء. في نصوصهم، نقرأ بيروت بوصفها سؤالًا أكثر منها جوابًا، تجربة أكثر منها تعريفًا. هي المدينة التي تُنهك كتّابها بقدر ما تُلهمهم، وتمنحهم اللغة بقدر ما تختبر صدقهم معها. هنا يُكتب الوجود العربي، هنا تُختبر القدرة على التماسك بين الذاكرة والجسد واللغة.

لذلك، فإن الكتابة عن بيروت ليست مجرّد استعادة لمدينة ماضية، بل مساءلة لحاضر عربي مضطرب، ومحاولة لفهم لماذا ظلّت هذه المدينة، بالرغم من كل ما مرّ بها، قادرة على إنتاج المعنى. بيروت في الأدب ليست ذكرى جميلة فحسب، بل ذاكرة مقاومة، تقول إن الكلمة يمكن أن تنجو، حتى حين ينهار كل شيء آخر. وفي قلب هذه المدينة، يدرك القارئ أن بيروت ليست مكانًا فقط، بل نبض، تجربة وجدانية، ووعدًا بأن الحياة، مهما صعُبت، تبقى ممكنة بالكلمة والحلم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.