لن أجاملك.
المشكلة ليست في العالم، ولا في الظروف، ولا في الزمن الصعب، المشكلة في تلك المساحة الرمادية التي تختبئ فيها حين تعرف ما يجب فعله ولا تفعله.
هناك، تحديداً، تُصنع الكوارث، الغفلة ليست جهلاً بريئاً، الغفلة اختيار مؤجَّل، وتأجيل الاختيار قرار كامل الأركان، وثمنه لا يُقسَّط؟
العقل الذي تعوّد على المكافأة السريعة صار عاجزاً عن فهم القيمة، يريد نتيجة بلا مسار، ومكانة بلا تكوين، ومعنى بلا كلفة. هذا العقل لا يخطئ الحساب فقط، بل يزوّر الواقع. الحياة لا تكافئ النيّات، ولا تحترم الأعذار، ولا تعبأ بحسن الظن. الحياة دقيقة، باردة، مُحاسِبة، إن لم تدفع الثمن بوعي، ستدفعه قسراً، إن لم تتعلّم قبل الصدمة، ستتعلّم داخلها أو تتحطّم.
الانهيار لا يأتي فجأة، هذه كذبة يردّدها من يهرب من مسؤوليته، الانهيار مسارٌ صامت: تسويف صغير، عادة تافهة، كسل مُبرَّر، شهوة غير منضبطة، فكرة غير مفحوصة، تتراكم مثل طبقات صدأ داخل المفاصل، ثم في لحظةٍ ما، حين تحتاج الحركة، تكتشف أنّك متيبّس. فتصرخ: لم أكن أعلم؟ كنت تعلم، لكنك فضّلت الراحة المؤقتة على الحقيقة الثقيلة.
أنت أقرب إلى الهاوية مما تتخيّل. ليس لأنك ضعيف، بل لأنك غير مُجهَّز. الحياة لا تحتاج كارثة كبرى لتسحقك، يكفي خلل واحد حين لا تملك هامش المناورة: مرضٌ بلا احتياط نفسي، أزمة مالية بلا مهارة، علاقة تنهار بلا نضج، ضغط يتجاوز قدرتك لأنك لم تبنِها. الفرق بين من يصمد ومن ينهار ليس الذكاء ولا الأخلاق، بل الاستعداد. والاستعداد لا يُستدعى عند الحاجة، يُبنى قبلها بسنوات.
أخطر ما في الإنسان ليس ضعفه، بل قابليته للانقياد وهو يظن نفسه حرّاً. حين لا تملك أدوات التفكير، تصبح الأفكار التي تمرّ بك سكاكين غير مرئية. ستنحاز للخطاب الذي يربّت على كسلك، ويمنحك شعوراً زائفاً بالتفوّق الأخلاقي، ويعفيك من السؤال القاسي: ما الدليل؟ ما الأثر؟ من يدفع الثمن؟ ستفعل أشياء فادحة وأنت مقتنع أنك نبيل. هنا يولد الشرّ الحديث: شرّ مُهذَّب، لغته جميلة، ونتائجه مدمّرة.
لا خلاص في الصراخ، ولا في الوعود، ولا في الحماسة. الخلاص الوحيد هو الانضباط الفكري. أن تتعلّم كيف تفكّر حين تُستفَزّ، كيف تشكّ حين يُغريك الشعار، كيف تزن النتائج لا النيّات. أن تفهم مرجعياتك من الداخل لا عبر وسطاء يبيعونك اليقين مقابل ولائك. أن تضبط اندفاعك، لأن الاندفاع غير المنضبط ليس شجاعة، هو جهل نشِط.
اسأل نفسك السؤال الذي تهرب منه: ما الفعل اليومي الذي أعرف أنه يفسدني ومع ذلك أمارسه؟ لا تبحث عن إجابة ذكية، ستظهر الحقيقة فوراً. العقل لا ينسى، بل يؤجّل الاعتراف. وكل تأجيل يضيف فائدة مركّبة على حسابك من الانهيار.
توقّف عن خداع نفسك بفكرة: سأبدأ لاحقاً. لاحقاً ليس وقتاً، لاحقاً ذريعة. لا أحد ينجو من الدفع. الدفع قانون. إمّا أن تدفع بجهدٍ مُبكّر يشتري لك قدرة، أو بندمٍ متأخّر يشتري لك خيبة. الذين يخافون من الفشل لا يتجنّبونه، يؤجّلونه حتى يأتي مدمّراً، لأنهم لم يسمحوا لأنفسهم بالتجربة وهم قادرون على النهوض.
عامِل ذاتك كمسؤولية ثقيلة لا كطفل مدلّل. ضع لها مساراً قاسياً وواضحاً. ارسم حياة مرغوبة إن التزمت، وجحيماً معقولاً إن استمررت. ثم راقب أفعالك اليومية: هل تُقرّبك أم تُبعدك؟ الدماغ لا يتحرّك بالخطابة، يتحرّك بالاتجاه. خطوة صحيحة اليوم أقسى من حلم جميل مؤجَّل، لكنها أنقذ.
لا تحتقر البدايات الصغيرة. حمل العبء، أي عبء، يُعيد تشكيل العمود الفقري للروح. المسؤولية تُعيد للإنسان احترامه لنفسه. منها تولد ثقة صامتة لا تحتاج ضجيجاً. لا تخلط بينها وبين الغرور، الغرور قناع هش، والثقة نتيجة عمل.
العالم لن ينتظرك. لن يخفّف حدّته احتراماً لمشاعرك. سيختبرك حين تشاء الظروف والحسابات، لا حين تشاء أنت. إن كنت بلا أدوات، ستدفع الثمن مضاعفاً، وستجرّ معك من وثق بك. الانهيار لا يسقط صاحبه وحده، يسحب دائرة كاملة معه.
عدّل مسارك الآن. لا لأنك تريد التفوّق، بل لأنك تريد الصلاحية للحياة حين تتوحّش. أن تكون سنداً لا عبئاً، وعقلاً لا صدى، وحضوراً لا ضرراً. هذه ليست مثالية، هذه أدنى شروط النجاة.
ختاماً، افهم هذه القاعدة بلا تلطيف: الغفلة ليست فراغاً، الغفلة اختيار. وثمن الاختيار يُحصَّل كاملاً، بلا شفقة.

