: آخر تحديث

يا أبيض يا أسود

2
3
3

في زمنٍ صار فيه كلُّ شيءٍ قابلًا للتلوين، بقيت بعض المواقف عصيّة على الرماديات. فهناك لحظات لا تحتمل التجميل، ولا تقبل التأجيل، ولا تُدار بعباراتٍ مطاطية. لحظات تقول لك بوضوحٍ جارح: يا أبيض يا أسود.

وليست العبارة قسوةً لغوية، ولا نزعة تبسيطية كما يظن البعض، بل هي اختصارٌ أخلاقيٌّ حاسم. فهي لحظة امتحان حين تتعرّى الخيارات من زينتها، وتظهر كما هي: حقٌّ أو باطل، صدقٌ أو مواربة، موقفٌ يُشرّفك أو صمتٌ يُدينك.

فنحن نحبّ الرمادي لأنه يريحنا، حيث يترك لنا مساحة للهروب، وللتبرير، ولتدوير الزوايا. والرمادي لا يُغضب أحدًا، ولا يُرضي أحدًا، لكنه يضمن السلامة المؤقتة. غير أن التاريخ لا يُكتب بالسلامة، ولا تُبنى القيم بالمناورة. فكلّ منعطفٍ كبير في حياة الأفراد والأمم كان أبيضَ خالصًا أو أسودَ صريحًا.

وفي القضايا الكبرى، لا يصلح أن نقول "نحتاج وقتًا". فالوقت نفسه موقف، والتأجيل اختيار، والسكوت رأي. فحين تُستباح الحقيقة، لا تكون الحيادية فضيلة، بل مشاركة غير مباشرة في الخطأ. وهنا تحديدًا، تصبح عبارة "يا أبيض يا أسود" نداءَ ضمير، لا صيحةَ تشدّد.

وعلى مستوى المجتمعات، كم مرةٍ واجهنا أنفسنا بهذا السؤال؟ حين خُيّرنا بين مكسبٍ سهلٍ وثمنٍ أخلاقيٍّ باهظ، بين مجاملةٍ تحفظ العلاقة، وكلمةِ حقٍّ قد تكلّفنا الكثير، وبين أن نكون نسخةً مقبولة، أو حقيقةً صادقة. ففي هذه اللحظات، لا تنفع الفلسفة، ولا تُجدي البلاغة، والقرار إمّا أن يُنقذك من نفسك، أو يُعلّقك في منطقةٍ رمادية لا نهاية لها.

وفي العلاقات الإنسانية نفسها، يتكشّف الامتحان الحقيقي. حين تتداخل النوايا، ويُغلَّف التراجع بحسن الأعذار، ويُقدَّم الصمت على أنه حكمة، فتتآكل الثقة بهدوءٍ لا يُسمَع. والعلاقات الواضحة لا تعيش على الالتباس، حيث تُصارح حين يجب، وتضع حدودها بلا مواربة، لأن الغموض لا يحفظ الودّ، بل يؤجّل المواجهة. و"يا أبيض يا أسود" ليست إقصاءً للتفكير، بل تتويجٌ له. فالتفكير العميق لا ينتهي دائمًا بحلولٍ وسطى، حيث إنه أحيانًا ينتهي بقرارٍ حاسم لأن المعطيات لا تحتمل غيره. فالحكمة ليست في جمع المتناقضات، بل في معرفة متى لا يجوز جمعها.

ولسنا مطالبين أن نكون حاسمين في كل شيء، ولا أن نُصادر تعقيد الحياة. لكننا مطالبون ألّا نُفرغ القيم من معناها بحجة التعقيد. فهناك خطوطٌ إن تلاشت، تلاشى معها المعنى كله. عندها، لا يعود السؤال ماذا نربح؟ بل ماذا سنخسر من أنفسنا؟

وفي النهاية، تبقى العبارة امتحانًا شخصيًا قبل أن تكون شعارًا عامًا. وكلٌّ منّا يعرف متى يكون الرمادي حكمة، ومتى يصبح تهرّبًا. ويعرف، في قرارة نفسه، تلك اللحظة التي كان يجب أن يقول فيها: يا أبيض يا أسود، واختار غير ذلك.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.