لا تخلو شاشات التلفاز أو منصات التواصل الاجتماعي من هجاءٍ شرسٍ وتنديدٍ صارخٍ يوجِّهه معلِّقون وخبراء غربيون، ولا سيما الأوروبيون، تجاه سلوك دونالد ترامب الخارجي في أسابيعه الأخيرة، بدءًا من فنزويلا ومرورًا بغرينلاند وصولًا إلى مساعيه لخلق كيانات دولية موازية.
ويُختزل جوهر هذا السخط المتكرر في اتهام ترامب بازدراء القانون الدولي، وكأنَّما القوة العسكرية والاقتصادية لم تكن يومًا أدواتٍ رئيسية في صناعة السياسة الخارجية للدول العظمى.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن ترامب، بالرغم من كل ما يُنسب إليه من "ذكاء استثنائي"، لم يأتِ بجديد. نعم، قد يجرح هذا الواقع كبرياءه، ولكنه يظلُّ الواقع ذاته الذي شكَّل تاريخنا الحديث: إن استخدام القوة الوحشي لفرض الأجندات وتعزيز المصالح الضيقة هو نهجٌ مارسته القوى الأوروبية بلا مواربة منذ أن شرعت في استعمار العالم الجديد.
فبهذه الوحشية نفسها، وتحت راية إنكار حقوق الشعوب، بُنيت القارة الأميركية على أنقاض مجتمعاتها الأصلية، وبُني ازدهارها على أكتاف دولٍ وشعوبٍ نُهبت ثرواتها البشرية والطبيعية. وبهذا المنطق عينه، اغتنت أوروبا خلال ثورتها الصناعية، من خلال استغلال الآخرين وإنكار إنسانيتهم في كثير من الأحيان.
واللافت أن منظومة القانون الدولي التي يُتَّهم ترامب اليوم بازدرائها، وُلدت في أحضان تلك الحقبة الرأسمالية الاستعمارية ذاتها. بل إن هذا القانون وُضع أساسًا لتكريس مكاسب تلك الدول الاستعمارية، وإضفاء الشرعية على عمليات السلب والاستعمار التي طالت آسيا وأفريقيا، وبلا شك منطقتنا العربية، وضمان استمرار هيمنة القوى التي صاغته.
فتحت ستار هذا القانون، جرى شرعنة اغتصاب الأراضي، وتقسيم الشعوب، ونهب الموارد، وإخضاع الأمم، كلُّ ذلك في صمتٍ مؤسساتيٍّ مطبق. ما يفعله ترامب اليوم هو نفس المنطق، لكن بصخبٍ إعلاميٍّ غير مسبوق.
وبالتالي، فإن استنكار النخب الأوروبية لترامب لا يعدو كونه مثالًا صارخًا على المقولة الشهيرة: "الفاعل يستاء ممن يقلِّده". الفارق الوحيد أن ترامب يمتلك، على الأقل، صراحة الاعتراف بأن القوة كانت، ولا تزال، محرِّك التاريخ الوحيد على مر العصور.
ليس في الأمر جديدٌ، إلّا بالنسبة للذين ظنُّوا أن الغرب، الذي صنع النظام العالمي الحالي بكل تناقضاته، يمكن أن يكون حَكَمًا نزيهًا على من يخرق قواعده. الحقيقة أن النفاق كان سيد الموقف، والصراحة المزعجة لترامب هي فقط ما كسر قواعد اللعبة المهذبة.
أما على صعيد القضية الفلسطينية، فقد حذَّرت القيادة الفلسطينية، منذ نشأة الحركة الوطنية، من مغبَّة تجاهل القانون الدولي واستثناء إسرائيل من المحاسبة على انتهاكاتها المتكررة. وقد نادت عبر مختلف المراحل بأن استمرار ازدواجية المعايير وغياب الآليات الفاعلة لتطبيق القانون، سيُضعف النظام الدولي برمته، وسيكون له عواقب تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
اليوم، تؤكِّد التجارب المريرة في المنطقة وغيرها أن التحذير الفلسطيني كان يستند إلى رؤية استشرافية. فعدم التوازن في تطبيق القواعد الدولية لا يقوض مصداقية النظام فحسب، بل يهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي على المدى الطويل. ولذلك، فإن احترام القانون الدولي يتطلب التطبيق العادل والشامل، وإرساء آليات تنفيذٍ ملزمة وغير انتقائية، والتزام جميع الدول، دون استثناء، بمواثيقها الدولية.
وفي هذا الإطار، تظلُّ القضية الفلسطينية اختبارًا جوهريًّا لمصداقية النظام الدولي وقدرته على حماية الحقوق والسلام. فتحقيق العدالة والسلام في فلسطين ليس فقط واجبًا أخلاقيًّا وقانونيًّا، بل هو أيضًا استثمار في استقرار عالمي مستدام. والوقت لا يزال مناسبًا لتصحيح المسار، حيث يجري اليوم، وبفعل الضغط الدبلوماسي بقيادة دول عربية، حوارٌ فلسطيني–أميركي لم ينقطع حول انضمام السلطة الوطنية الفلسطينية إلى مجلس السلام الدولي، وهو ما سيُضيف نوعًا من التوازن. فالشرط الأساسي أن تتحول الدعوات النظرية لاحترام القانون إلى إرادة سياسية فعَّالة، تبدأ بالوفاء بالالتزامات التاريخية والقانونية تجاه الشعب الفلسطيني، وتُطبَّق بإنصاف على جميع الأطراف.


