ليست كل الزيارات الرسمية عابرة، وليست كل اللقاءات الإعلامية بروتوكولية، فبعضها يُقرأ من توقيته، وبعضها من مكانه، وبعضها من رسائله غير المُعلنة.
زيارة معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري إلى سلطنة عُمان ولقاؤه بأخيه معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي وزير الإعلام العُماني، جاءت في لحظة إقليمية دقيقة، تتقاطع فيها التحديات الإعلامية مع التحولات السياسية، وتزداد فيها الحاجة إلى خطابٍ عاقل، ومسؤول، وقادر على حماية الوعي قبل صناعة الخبر. سؤال: لماذا مسقط؟
لأن مسقط لم تكن يومًا مدينة ضجيج، بل مدينة توازن، ولأن سلطنة عُمان تُمثّل في المشهد الخليجي نموذجًا راسخًا في الحكمة، والهدوء، وإدارة الاختلاف دون خصومة، وهي ذات القيم التي بات الإعلام السعودي اليوم أكثر تمسّكًا بها في مرحلته الحديثة.
اختيار عُمان ليس اختيار مكان، بل اختيار نهج؛ نهج يؤمن أن الإعلام ليس ساحة صراع، بل مساحة تأثير، وأن الكلمة حين تُدار بعقل الدولة تُصبح جزءًا من أمنها واستقرارها.
من إعلام الخبر… إلى إعلام التأثير
وما جرى من خلال تلك الزيارة الموفقة وما تمّ بحثه في مسقط يتجاوز حدود التعاون الثنائي، ليدخل في صلب سؤال المرحلة، إلّا وهي: كيف نصنع إعلامًا خليجيًا قادرًا على التأثير، لا مجرد التفاعل؟
فاليوم، لم تعد التحديات في سرعة النشر، بل في مصداقية المحتوى، وعمق الرسالة، وحماية الرأي العام من التضليل، والفوضى الرقمية، وحملات التشويه المُنظمة.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن تبادل الخبرات، وبناء الشراكات، وتطوير أدوات العمل الإعلامي، لأن المعركة لم تعد على المعلومة، بل على الوعي.
الإعلام الخليجي… مسؤولية مشتركة
التحديات التي تواجهها المنطقة لا تخص دولة بعينها، بل تمس الخليج كله، والعالم العربي بأسره.
ومن هنا، فإن أي تقارب إعلامي سعودي–عُماني لا يمكن قراءته إلّا باعتباره لبنة في مشروع أكبر، يقوم على:
- توحيد الخطاب في القضايا المصيرية
- احترام الخصوصيات الوطنية
- تعزيز المهنية والموثوقية
- تقديم صورة حقيقية عن استقرار المنطقة وطموحات شعوبها
وهو ما يجعل من هذه الزيارة رسالة تطمين قبل أن تكون إعلان تعاون.
حين يتقدّم الإعلام تسبق السياسة
في كثير من المحطات، يكون الإعلام هو أول من يُمهّد الطريق، وأول من يُهيّئ الرأي العام، وأول من يختبر مساحة الثقة.
ولهذا، فإن ما حدث في مسقط يؤكد أن الإعلام حين يتحرك بوعي الدولة، فهو لا يسبق السياسة، بل يحميها، ولا ينافس الدبلوماسية، بل يعزّزها.
لم تكن مسقط محطة لقاء، بل مساحة حوار. ولم يكن الحديث عن إعلامٍ مشترك، بل عن وعيٍ مشترك. فحين تجلس الرياض ومسقط على طاولة الكلمة، فذلك يعني أن الجِوار أقوى من الضجيج، وأن الإعلام الخليجي قادر، إذا ما اتحدت بوصلته، أن يكون خط الدفاع الأول عن استقرار المنطقة، وصوت الحكمة في زمن الصخب.
وسلامتكم.


