في تاريخ الدول، تمرّ لحظات فارقة لا تُصنَّف كمجرّد لقاءات إعلاميّة، بل كوثائق تأسيسيّة لمراحل تاريخيّة كبرى. كان لقاء صاحب السموّ الملكي الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد رئيس مجلس الوزراء، في الثاني من أيّار (مايو) 2017، هو اللحظة التي أُعلن فيها ولادة عصر الوضوح الاستراتيجي.
أولاً: معادلة القول والفعل (الصدقيّة السياديّة)
يرتكز النموذج القيادي السعودي على مبدأ أخلاقي وسياسي صارم: أن نفعل ما نقول. في عالم تعاني فيه الدبلوماسيّة من أزمات الثقة، برز سموّ وليّ العهد كقائد يطابق بين خطابه السياسي وواقع عمله التشغيلي. هذه الصدقيّة ليست مجرّد سمة شخصيّة، بل هي أداة قوّة سياديّة منحت القرار السعودي هيبة دوليّة، فالعالم اليوم يدرك أنّ كلمة الرياض هي التزام نافذ لا يقبل التراجع أو المواربة.
ثانياً: هندسة النديّة (المصالح المتبادلة)
عندما صرّح سموّه: أيّ دولة في العالم نجلس معها، نعرف ما هي مصالحنا ونعرف ما هي مصالحهم، ونقدّر مصالحهم، ويقدّرون مصالحنا، كان يضع حجر الزاوية لمفهوم الدبلوماسيّة النديّة. إنّها رؤية تتجاوز التبعيّة التقليديّة، وتنتقل إلى مربّع الشراكة الذكيّة القائمة على:
الإدراك المتبادل: فهم عميق لمتطلّبات الطرف الآخر دون التفريط في الثوابت.
النديّة المطلقة: الجلوس على طاولة المفاوضات كطرف مكافئ يفرض احترام مصالحه كشرط أساسي لأيّ تعاون.
ثالثاً: توازن المسارات (الديناميكيّة السياسيّة)
تجلّت الديناميكيّة السياسيّة في أرقى صورها عبر منهجيّة فصل المسارات. لقد استطاعت القيادة السعوديّة، بذكاء واقتدار، أن تفكّك الملفّات المعقّدة، فالاختلاف في وجهات النظر السياسيّة لا يعني بالضرورة قطيعة اقتصاديّة، والتعاون في مجال الطاقة لا يعني التماهي في الأجندات الأيديولوجيّة. هذا التوازن الديناميكي سمح للمملكة بالتحرّك بمرونة استثنائيّة، محوِّلاً التحدّيات الجيوسياسيّة إلى فرص للهندسة السياديّة.
رابعاً: استعادة الأنفة العربيّة في قالب عصري
إنّ هذا النهج ليس مستحدَثًا من فراغ، بل هو استحضار لروح الأنفة والكرامة العربيّة وإعادة صياغتها بلغة الدولة الحديثة. إنّها سياسة الرجل الذي يواجه العالم بقلب ثابت، لا ينحني أمام الضغوط ولا ينجرف خلف الوعود الزائفة، بل يسير ببوصلة وطنيّة واضحة، هدفها الأسمى هو حماية الإنسان والمكان.
خاتمة
لقد أثبتت السنوات الماضية أنّ كلمات سموّ وليّ العهد في عام 2017 كانت خارطة طريق لدولة عظمى قادمة. إنّ ديناميكيّة النديّة هي التي جعلت من المملكة اليوم المحرّك الرئيسي للاستقرار العالمي، والنموذج الذي يُحتذى به في المزاوجة بين ثبات المبدأ ومرونة الحركة. نحن نعرف مصالحنا ونقدّر مصالحهم، قاعدة بسيطة في لفظها، عظيمة في تطبيقها، هي سرّ النجاح السعودي في قيادة موازين القوّى الدوليّة.


