: آخر تحديث

الصراع على النظام الدولي

3
3
2

النظام الدولي ليس نظامًا جامدًا غير قابل للتغيّر والتحوّل، والفرضية هنا بقدر قوّة النظام الدولي بقدر قدرته على التكيّف والاستجابة للمتغيّرات التي تحكمه، وهي متغيّرات بعدد الدول والفواعل من غير الدول وحالة القوّة بينها. والفرضية الثانية أنّ بيئة النظام الدولي ليست مستقلّة عن مكوّناتها، وهي الدول القوميّة التي تحكمها مصالحها الحيويّة وقوّتها. والفرضية الثالثة أنّ النظام الدولي وتجسّده الأمم المتحدة ليست له إرادة خاصّة تعلو إرادات الدول المكوّنة. وهنا المثال بمجلس الأمن وتمتّع خمس دول فقط بحقّ الفيتو الذي يُسقط أيّ قرار دولي.

والفرضية الرابعة هي ارتباط الشرعيّة الدوليّة بالقوّة، وأنّ شرعيّة القوّة قد تغلب قوّة الشرعيّة. والنظام الدولي قابل للتفكّك مع أوّل مواجهة بين القوّى الكبرى المتحكّمة في النظام الدولي. والأساس في العلاقات الدوليّة هو القوّة، وهي المحرّك لكلّ العلاقات الدوليّة، وقد ارتبطت مع ظهور الدولة القوميّة عا 1648، وكانت البداية أوروبيّة، وهي بداية المرحلة الأولى من النظام الدولي التعدّدي الأوروبي، وكانت سببًا في اندلاع الحربين الكونيّتين الأولى والثانية. فمن طبيعة الدول أنّها تسعى للوصول إلى قمّة النظام الدولي، والمعيار هنا قدر وحجم القوّة التي تملكها.

وتاريخيًا، ارتبطت التغيّرات الكبرى في هيكل وبنية النظام الدولي بالتحوّلات الكبرى في توازنات القوّة السائدة، وهي التي تفسّر لنا التحوّل من النظام الأوروبي الذي ساد حتّى نهاية الحرب الثانية وهزيمة أوروبا وتبعيتها للقوّة الأميركيّة منذ ذلك التاريخ، ليبدأ مع نهاية الحرب الثانية ظهور نظام ثنائيّة القطبيّة بين أميركا والاتحاد السوفيتي، وسادته الحرب الباردة، واستمرّ هذا النظام حتّى سقوط الاتحاد السوفيتي عا 1991، ليبدأ نظام دولي جديد يقوم على الأحاديّة الأميركيّة التي ما زالت قائمة حتّى الآن، ولكن ليس بنفس القوّة التي بدأتها، لتظهر الآن متغيّرات وتحولات في بنية القوّة الدوليّة مع ظهور الصين والدور الروسي بعد الحرب الأوكرانيّة، والصراع على تغيير بنية النظام الأحادي والاتجاه نحو نظام أكثر تعدديّة.

وهنا الدور الحاسم الذي تلعبه أميركا وإدارة الرئيس ترامب، الذي يسعى إلى نظام دولي يحتفظ بأحاديّة القوّة الأميركيّة مع التسليم بدور منافس بين الدول والقوى الكبرى كالصين وروسيا، والاعتراف بدور الدول الإقليميّة القويّة الصاعدة كالهند. ومن سمات هذا التحوّل في الدور الأميركي، وهو الأساس والقوّة المحرّكة في عمليّة التحوّل ونجاحها، تجاهل قوّة القانون الدولي والمؤسّسات الدوليّة، وتجاهل دور الشرعيّة الدوليّة، والتسليم بشرعيّة القوّة ومصلحتي أوّلًا. وهو ما يُعبَّر عنه بشعار "أميركا أولًا".

وهنا أيضًا تجاهل دور الأمم المتحدة ودورها في حلّ المنازعات الدوليّة وإقرار مبدأ السلام والأمن الدوليّين، ليحلّ محلّه سلام وأمن أميركا. والمثال البارز هنا الاعتداء على سيادة دول مستقلّة واعتقال رئيسها فنزويلا ومحاكمته في محاكمها، والتهديد باحتلال جزيرة غرينلاند لغرض الأمن القومي الأميركي، والانسحاب من 66 منظّمة دوليّة. والمثال الآخر تشكيل ما يُعرف بمجلس السلام لغزّة، وتشكيله من عدد من الدول برئاسة ترامب نفسه، وهنا ليست القضيّة غزّة بقدر ما هي رسالة أنّ هذا المجلس قد يكون بديلًا للأمم المتحدة، والشروع في التحوّل نحو نظام دولي جديد.

ومن المؤشّرات المهمّة التحوّلات في التحالفات والعلاقات التي تربط أميركا بدولة مثل كندا، التي توجّه رئيس وزرائها نحو الصين وبناء صفقات تجاريّة والإعلان عن النظام العالمي الجديد، والموقف الأوروبي من التهديد باحتلال جزيرة غرينلاند وإرسال قوّات أوروبيّة هناك، وردّة الفعل الأميركيّة بفرض مزيد من الرسوم الجمركيّة على الدول الأوروبيّة، والتهديد لأوّل مرّة بإلغاء الاتّفاق التجاري بين أميركا وأوروبا، وتعرّض حلف الناتو للتصدّع. هذه المؤشّرات تمسّ بنية النظام الدولي القائم وكفيلة بالدفع نحو النظام الجديد.

النظام الدولي الذي يسعى إليه ترامب في جوهره قومي محافظ، يتجاوز الأسس والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة في الحفاظ على السلام والأمن العالميّين، وعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول، واحترام سيادتها، وتسوية المنازعات بالطرق السلميّة، لتحلّ القوّة وتعود الحرب خيارًا للدول الكبرى، وتهديد الدول الأخرى كالتهديد الفنزويلي، والتهديد بضرب إيران، وحرب روسيا في أوكرانيا، وتهديدها الصريح بمسح الوجود الأوروبي بالقوّة النوويّة، والتهديد الصيني لضمّ تايوان. وتبرز إلى جانب التهديدات العسكريّة بروز سلاح الاقتصاد وفرض الرسوم الجمركيّة الذي تمارسه أميركا على أقرب الدول الحليفة لها في أوروبا.

وفي هذا السياق تبرز الرؤية الأميركيّة للنظام الدولي، وأساسها أنّ الدولة القويّة هي أساس النظام الدولي، وأنّ سياسة أيّ دولة تنطلق من مصالحها حتّى لو تعارضت مع مصالح غيرها. وتقوم العلاقات الدوليّة على تبادل المصالح والتركيز على القوّة الاقتصاديّة مع الاحتفاظ بقوّة أميركا كقوّة أحاديّة، والحديث وفقًا لهذه الرؤية عن الصين كمنافس وليس خصمًا، ورفض أيّ قرار أحادي من جانب تايوان، والتغيّر في الرؤية من أوروبا كأولويّة وحليف إلى نصف الكرة الغربيّة، واستعادة مبدأ مونرو بثوبه الجديد أو بعقيدة ترامب التي تقوم على "أميركا أولًا". وبالنسبة إلى روسيا، بوقف الحرب على أوكرانيا والتسليم بمطالبها في أوكرانيا.

وكما يقول الصحافي فريد زكريا، إنّ عقيدة ترامب في سياسته الخارجيّة تختزل دور أميركا من قوّة عالميّة إلى مجرّد قوّة إقليميّة، تتلخّص في شعار "لنجعل أميركا أصغر مرّة أخرى". وتنتقد عقودًا من الانخراط الأميركي العالمي، وتدعو إلى تضييق المصالح الأميركيّة وحصرها في نصف الكرة الغربيّة. وإنّ هذه السياسة ستخلق فراغات في القوّة قد تقود إلى فوضى وعدم استقرار عالميّين، وستترك عالمًا بلا قيادة واضحة، وهو ما يعني الصراع على القيادة. وأنّ النظام الدولي القائم اليوم أشبه بحالة من الفوضى متعدّدة الأقطاب، وذلك لتجاهل الدول الكبرى للقواعد والمبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، وبدلاً من إصلاح الأمم المتحدة يتمّ العمل على تقويض دورها. وكما قال ترامب إنّ مبادئه الأخلاقيّة هي التي تحكم حركته وتعلو على القانون الدولي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.