فاضل ثامر ناقدٌ بارز يجمع بين إنصات النصوص وفهم الإنسان. ومنذ بداية ظهوره في الساحة الثقافية العراقية، برز كعقل فطين يستكشف الممرات الخفية للنصوص بدلاً من الاكتفاء بالواجهات اللامعة. كان ناقدًا لا يكتفي بالتحليل السطحي للظواهر الأدبية، بل يسعى إلى اكتشاف أعماقها وفهم الظروف التي أدّت إلى تشكّلها، مستعرضًا التأثيرات الاجتماعية والتاريخية والسياسية التي شكّلت لغتها.
وُلد في بغداد عام 1938، في بيئة كانت الثقافة فيها بمثابة امتحان يومي بدلاً من إرثٍ مريح، مما جعل وعيه يتشكّل حول التناقض بين الجمال والمعرفة، وكذلك بين النص والواقع. فانطلق منذ منتصف الخمسينيات في مسيرته النقدية التي تميّزت بالقلق الدائم والانفتاح على الأسئلة.
لم ينجرف وراء الراحة في نمط إبداعي واحد، بالرغم من محاولاته السابقة في الشعر والسرد والترجمة، إذ أدرك مبكرًا أن مكانه الحقيقي هو الحدود الفاصلة بين النص والقارئ، حيث تُطرح الأسئلة بدلاً من إصدار الأحكام.
في فكره، لم يكن النقد مجرّد سلطة لغوية، بل كان فعل معرفة، وحوارًا مفتوحًا لا وصاية. وكان لدراسته اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد دورٌ كبير في تعزيز أفقه النقدي، حيث مكّنته من التطلّع إلى الثقافة العالمية والتعرّف على المناهج النقدية المعاصرة، مثل البنيوية وما بعد البنيوية.
ومع ذلك، لم يتعامل معها بوصفها حلولًا جاهزة، بل كأدوات تحتاج إلى الفحص والتفسير. من هنا، تجلّى مشروعه النقدي كرؤية خاصة تتجاوز المنهجية الصارمة، معتنقًا فكرة أن النص كائن حي يتضمّن أصواتًا متعددة ويغمره السياق. تجلّت هذه الفكرة بوضوح في كتابه البارز "الصوت الآخر الجوهر الحواري للخطاب الأدبي" (1992)، حيث دعم مفهوم التعدّد الصوتي مستندًا إلى أفكار ميخائيل باختين، دون الانزلاق في تكرار الأفكار.
بالنسبة إليه، النص ليس فقط صوت الكاتب، بل فضاءً تتداخل فيه أصوات الشخصيات والذاكرة والسلطة والأصوات المقموعة. وقد تعمّقت رؤيته هذه في كتابه "اللغة الثانية في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح" (1994)، الذي عالج فيه النقد من منظور نقدي، داعيًا إلى تحليل واعٍ للمصطلحات والمناهج بعيدًا عن الإعجاب السطحي.
تغطي مؤلفاته نطاقًا واسعًا يمثّل تاريخ النقد الحديث في العراق، مثل "قصص عراقية معاصرة" (1971) بالاشتراك مع ياسين النصير، و"معالم جديدة في أدبنا المعاصر" (1975)، و"مدارات نقدية في إشكالية الحداثة والنقد والإبداع" (1987)، و"المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي" (2004)، و"المبنى الميتاسردي في الرواية" (2013)، و"التاريخي والسردي في الرواية العربية" (2018)، إضافة إلى ترجمته البارزة لرواية "الحديقة" لمارغريت دوراس.
في هذه الكتابات، لا يقتصر فاضل ثامر على تحليل النصوص فحسب، بل يعيد تشكيل علاقاتها بالواقع، كاشفًا عن الروابط الخفية بين الجمال والسياسة، وبين السرد والسلطة. في مشروعه النقدي، لم تكن السياسة مجرّد خطاب مباشر أو شعار أيديولوجي، بل وجودًا خفيًا يتسلّل إلى اللغة ويعيد تشكيل الشخصيات، وينشئ مساحات من الصمت داخل النصوص.
لهذا السبب، تركّزت اهتماماته على موضوعات القمع والتابوهات والرقابة، وكيف يمكن للرواية التحايل على السلطة عبر الفجوات السردية وتداخل الأصوات. واعتبر الإنسان جوهر رؤيته النقدية، إذ كان يؤمن بأن الأدب يكتمل فقط عندما يتناول قضايا الحرية والعدالة والكرامة، وأن النقد الحقيقي هو الذي يضيء وعي القارئ بدلاً من استعراض أدواته.
فاضل ثامر ليس ناقدًا يُعرف فقط من خلال مؤلفاته، بل له تأثير إنساني ملحوظ في الأجيال الشابة. أقول هذا من خلال تجربتي الشخصية، فقد قابلته في أوائل السبعينيات في المقاهي الأدبية ببغداد، تلك التي كانت تعجّ بالحوار الثقافي الشغوف، وكأنها مكتبة حيّة. كنت في تلك المرحلة أبدأ رحلتي النقدية، مستفيدًا من الكتب ومن تلك المقاهي التي كانت بالنسبة إليّ أشبه بمؤلفات متنوّعة تتجسّد فيها أصوات مختلفة.
كانت انطلاقتي في تحليل القصص، ووجدت فيه معلّمًا حقيقيًا يبرز فيه التواضع والقدرة على الحوار والدعم الصادق. كنت أستمتع بقراءة كتبه بشكل خاص، إلى جانب كتب ياسين النصير وعبد الجبار عباس، وأسعى بشغف، وببراءة المبتدئين، إلى محاكاة بعض أساليبهم، لا من أجل تقليدهم، بل بدافع التعلّم.
وفي منتصف السبعينيات، كان مندهشًا حين نشرتُ نقدًا مطوّلًا من ثلاث صفحات في مجلة "ألف باء" عن رواية "السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا، ثم توالت قراءاتي النقدية لقصص إسماعيل فهد في "الثقافة الجديدة"، وفهد الأسدي في "الآداب"، وخضير عبد الأمير في مجلة "العاملون في النفط".
وذات يوم، فوجئت بذكر اسمي في إحدى مقالاته في "الثقافة الجديدة"، حيث اعتبرني من الشباب الذين يحملون مستقبل النقد. كان ذلك اليوم من أكثر الأيام سعادة وتأثيرًا في حياتي، لأن الاعتراف من شخصية نقدية بحجمه كان بمثابة دفعة معنوية لا تُنسى.
ثم تلاقت مساراتنا مرة أخرى في ليبيا؛ كنت أنا في جامعة الزاوية، بينما كان هو يقدّم دروسه في مدينة قريبة، أعتقد أنها زوارة. هناك، بعيدًا عن بغداد، أدركت أن الغربة تجمع المثقفين أكثر مما تفرّقهم. أمّا المرة الأخيرة التي التقيته فيها فكانت في مطار عمّان برفقة زوجته في منتصف عام 2002، حيث تقاسمنا بصمتٍ مشاعر الغربة، واستعدنا في نظراتنا مدنًا بعيدة، وكتبًا، ومقاهي، وأزمنة لا تعود كما كانت.
هكذا يظهر فاضل ثامر: ناقد يحمل صوتًا هادئًا لكنه عميق التأثير. إنّه مثقّف ينظر إلى النقد كفعل حبّ للنص، وكتعبير عن المسؤولية تجاه المجتمع. وبالرغم من أن تجربته تمتدّ لأكثر من ستة عقود، فإنه ظلّ متمسّكًا بقناعته الأساسية: أنَّ الأدب حوار، وأن النقد شريك في هذا الحوار، وأن الثقافة ليست مجرّد ترف، بل ضرورة إنسانية تعمل على إنقاذ الذاكرة من الزوال، ومنح المعنى لما تبقّى من الأسئلة.


