: آخر تحديث

وكأنّ الوطن كائن بلا ذاكرة

4
3
3

في كثير من بقاع العالم العربي، تتكرّر الحكاية ذاتها بملامح مختلفة وأصوات متشابهة. شخصٌ يجلس واثقًا، يفتح صدره للكلام، يطلق لسانه بلا تردّد، يسبّ وطنه كما لو كان غريبًا عنه، ويشتم حكّامه وكأنّهم لا يمثّلونه، ويتناول الشخصيات المعروفة إعلاميًا بسخرية جارحة، كأنّ الهدم فضيلة، وكأنّ النقد لا يكتمل إلا إذا كان قاسيًا، فظًا، بلا ميزان ولا مسؤولية. يقول رأيه عاليًا، يصفّق لنفسه، ويشعر للحظة أنّه شجاع، حرّ، متحرّر من كل قيد.

ثم يأتي الغد.

الغد الذي تنكشف فيه الأقنعة، وتظهر الحاجة عارية بلا زينة. يعود الصوت ذاته، لكن بنبرة مختلفة؛ نبرة الشكوى، نبرة الضيق، نبرة الانكسار. يشتكي من قلّة الرزق، من انسداد الأبواب، من خذلان الحياة. يمدّ يده طالبًا عملًا، فرصة، واسطة، في الوطن نفسه الذي لم يتردّد يومًا في شتمه، في الأرض التي أهانها أكثر من مرّة، في المجتمع الذي لم يرَ فيه إلا عيوبه، ولم يمنحه لحظة إنصاف واحدة.

هنا، لا يكون التناقض صدفة، بل دلالة. يدلّ على عقل يريد كل شيء بلا ثمن، وعلى لسان اعتاد الهدم دون أن يتعلّم البناء. يدلّ على إنسان يفصل بين الحقوق والواجبات، يطالب بالانتماء ساعة الحاجة، ويتبرّأ منه ساعة الغضب. يدلّ على فهم مشوّه للحرية، حيث تتحوّل من مسؤولية أخلاقية إلى فوضى كلامية، ومن موقف واعٍ إلى تنفيس أعمى.

هذا التناقض يكشف فراغًا داخليًا؛ فراغًا لم يملأه وعي، ولا ثقافة، ولا إحساس حقيقي بالانتماء. يكشف شخصًا يريد وطنًا مثاليًا دون أن يكون هو مواطنًا أفضل، يريد عدلًا دون التزام، وكرامة دون احترام، وفرصًا دون مساهمة. يشتم كأنّ الوطن عدوّه، ثم يعود إليه كأنّه الملاذ الأخير.

وفي النهاية، لا تكون المشكلة في الوطن وحده، ولا في الحكّام وحدهم، بل في هذا الانفصام بين القول والفعل، بين الموقف والحاجة، بين ما نعلنه أمام الناس وما نريده لأنفسنا سرًّا. مشكلة إنسان لم يحسم علاقته بوطنه: هل هو بيتٌ يُصان، أم فندق يُلعن ثم نطالب بخدماته؟

إنه تناقض يدلّ على أزمة وعي قبل أن يكون أزمة رزق.

هذا التناقض لا يولد فجأة، بل يتشكّل ببطء، كتشققٍ صامت في جدار النفس. يبدأ حين يختلط النقد بالغضب، وحين تتحوّل الخيبة إلى سخرية، وحين يفقد الإنسان قدرته على التفريق بين معارضةٍ ناضجة وكراهيةٍ عمياء. في تلك اللحظة، يصبح الوطن فكرة مجرّدة لا روح لها، مجرد شماعة نعلّق عليها فشلنا، ومسرحًا نصرخ فيه ثم نغادره دون أن ننظف الفوضى التي خلّفناها.

صاحب هذا التناقض لا يرى نفسه جزءًا من المشكلة، بل ضحيةً دائمة. يعتقد أنّ صوته العالي يعفيه من العمل، وأنّ شتمه المستمر يمنحه صكّ البراءة. يتحدّث عن الفساد وكأنّه كائن منفصل عنه، لا سلوكًا يوميًا يشارك فيه بالصمت، أو بالمجاملة، أو بالتحايل الصغير الذي يراه “ذكاءً”. يلعن الواسطة، ثم يبحث عنها سرًّا. يسخر من الرداءة، ثم يقبل بها إن خدمته. يهاجم كل شيء، إلا نفسه.

وعندما تضيق به السبل، يعود إلى الوطن لا بوصفه مسؤولية مشتركة، بل بوصفه ملاذًا اضطراريًا. يعود لا معتذرًا عمّا قال، ولا مراجعًا لما فعل، بل مستغربًا: كيف لم يفتح له الوطن ذراعيه فورًا؟ كيف لم يكافئه على نقده الجارح؟ كأنّ الوطن كائن بلا ذاكرة، بلا كرامة، بلا حق في أن يُغضب أو يُجرح.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.