تُشكّل أيديولوجية الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928 أكثر مادة جدلية في الفكر السياسي، إذ تعتمد على خلط الدين بالسياسة وربط مفهوم الحاكمية ببيعة المرشد العام للجماعة، مما ينتج عنه أضرار سلبية خطيرة على مجتمعاتنا العربية، هذه المجتمعات الناهضة التي تريد أن ترى إسلامًا وسطيًا متسامحًا يقبل بفكرة التعايش مع الآخر وفقًا للأبعاد الإنسانية وتطور جوانب الحياة وتشابك المصالح بين الدول والمجتمعات.
إلّا أن هذه الجماعة تسعى إلى تصدير فكر سياسي بلبوس ديني من شأنه أن يضع التحديات الأساسية التالية أمام المجتمعات العربية.
أولًا: إن فكر الجماعة أصلًا لوحده هو بمثابة تحدٍّ لفكرة الدولة الوطنية من خلال عمل هذه الجماعة إلى أسلمة السياسة بكل تصريفاتها الحياتية، وعبور مرتكزات الهوية الوطنية إلى هوية أممية عائمة بالتركيز على ترسيخ مبدأ أن الإسلام دين ودولة، وصبغ العمل السياسي القائم على تحقيق الأهداف بوسائل مختلفة بصبغة دينية بهدف تغيير الثقافة السياسية العربية نحو مفهوم الإسلام السياسي.
ثانيًا: إن سعي الجماعة إلى تحطيم الدولة الوطنية للتمكين والاستيلاء على السلطة من شأنه خلق صدامات طويلة مع نظم الحكم الوطنية وزعزعة استقرار الدول، وقد تجسّد ذلك بصورة جلية عندما سيطرت هذه الجماعة على الحكم في بعض البلدان العربية خلال ما بات يُسمّى بفترة الربيع العربي، مثل مصر وتونس وليبيا.
ثالثًا: تعتمد هذه الجماعة نشاطًا فكريًا عبر التغلغل في المؤسسات الخدمية بقيام الجماعة ببناء شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والمدارس والعيادات الطبية لاستقطاب الطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة وذوي الدخل المحدود تحت لافتة العمل الخيري والتكافل الاجتماعي، مما يساعدها ذلك على تكوين قاعدة شعبية واسعة وقوية تاريخيًا ستحتاج لها في أوقات معينة.
رابعًا: إسهام فكر الجماعة الإخواني في تغيير الهوية والتركيبة الاجتماعية عبر أسلمة المظاهر الاجتماعية وتقسيم المجتمعات بين مؤيد لمشروعها وآخر معارض له لا بد من الانتقام منه، مما يتسبب في تفريخ جماعات وحركات راديكالية متطرفة، مثلما رأينا بالعين المجردة كيف أن فكر الجماعة قد أنتج القاعدة وداعش وحركة الجهاد الإسلامي والشباب المجاهد وغيرها، وجميعها قد اعتنقت أسلوب العنف والإرهاب وتكفير المجتمعات.
ولا بد هنا من التذكير بأن الجماعة عملت جاهدة إلى توظيف المرأة في انتشار فكرها وتوسع تنظيمها لجذب القواعد على الصعيد الداخلي، وتصدير رسائل انتهازية إلى المجتمع الدولي وأميركا والغرب بأنها منفتحة على فكرة مشاركة المرأة السياسية، والعمل على خلط أوراق هذا الملف بشكل ديماغوجي والاستثمار السياسي فيه بإبراز مشاركة شكلية لوجوه نسائية في هيئات الجماعة، والدفع بوجوه أخرى إلى مناصب تنفيذية لتشكّل أدوات سياسية في اختراق النسق الاجتماعي، وتكثيف المشاركة الفاعلة للنساء في النقابات والجمعيات من أجل الاستقطاب لا أكثر.
نحن نقف أمام جماعة خطيرة ذات فكر مبطن هدّام يعمل على استهداف النسيج الوطني، وتسخير كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في الوصول إلى غاياتها الخفية والعلنية باستخدام أساليب المكر والخداع والتماهي مع أية تغيرات سياسية، حتى تتمكن هذه الحركة من الوصول إلى السلطة التي تعتبرها أداة قوة مهمة لتنفيذ أيديولوجيتها في المجتمعات العربية.

