: آخر تحديث

الشعب الذي رفض الاندثار

3
3
3

مَن منّا لا يعرف التحولات التي مرّ بها هذا الشرق الأوسط، ليس انتهاءً بحدوده الحديثة أو حروبه الأخيرة، بل ابتداءً من أقدم مناطق التاريخ البشري، موطن الحضارات العريقة، السومريين في بلاد ما بين النهرين، والفينيقيين في بلاد الشام، وفراعنة مصر القديمة، والأمازيغ في شمال أفريقيا، وحضارات اليمن القديمة، وبلاد فارس، وحضارة الشعب الكردي.

هذه الشعوب جميعها التي شكّلت بدايات الكتابة والعلم والقانون والموسيقى والثقافة ما قبل الميلاد، وقبل وقت طويل من ظهور القبائل العربية والإسلام في القرن السابع الميلادي، والذي لم ينتشر كدين فحسب، بل كان التوسع العربي الإسلامي كسلطة سياسية وثقافية ولغوية وهوياتية هيمنت على اللغات الموجودة والثقافات المختلفة والحضارات والأديان المتعددة، والتي اضمحلّ كثير منها، فلم يكن الاندماج خيارًا حرًا دائمًا، بل ترافق أحيانًا مع التخلّي عن الهوية. إلّا أنّ الكورد كانوا مختلفين في هذا حتى اليوم، في حالة نستطيع أن نسمّيها الاستثناء الكردي.

يُعدّ الكورد استثناءً لافتًا في هذا التاريخ، فعلى الرغم من اعتناق معظمهم الإسلام بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، سواء بالاقتناع أو بالإجبار، لم يتخلّ الكورد عن لغتهم أو ذاكرتهم الجماعية أو هويتهم الثقافية. صمدت اللغات الكردية، الكرمانجية والسورانية وغيرها، دون دولة، وغالبًا ما كانت محظورة أو غير مشجّعة. وظلّت التقاليد الكردية مثل نوروز، عيد الربيع القديم الذي يعود تاريخه إلى العصور الزرادشتية، مركزية للهوية الكردية. وعلى عكس العديد من الشعوب الأخرى، لم يندمج الكورد بشكل كامل في الهوية العربية، ظلّوا غير عرب، وغير مندمجين، ومتميّزين سياسيًا، حتى مع مشاركتهم الدين مع جيرانهم. ويقولون إلى اليوم نحن كورد، لسنا عربًا ولا أتراك ولا إيرانيين، "الهويات التي فُرِضَت عليهم"، ولذلك عوقبوا.

بعد الحرب العالمية الأولى، وُعدوا بدولة ثم تُركوا لمصيرهم. قُسّمت أراضيهم بين أربع دول نتيجة اتفاقية سايكس پيكو 1916 وسلسلة من التسويات ما بعد العثمانية، بما في ذلك نظام الانتداب ومعاهدة لوزان، وأصبح الكورد مجرَّدين من الكثير من الحقوق في تلك البلاد، والهوية الكردية هدفًا للقمع، حيث تم إنكارها واضطهاد الكورد في تركيا، وتعرّضوا لهجمات وحشية في العراق، وعُرّبتها سوريا، وقمعتها إيران. واليوم، يعيد التاريخ نفسه ويدفع الكورد مرة أخرى ثمن حرب الدول ومصالح الأمم، فتتخلّى عنهم الولايات المتحدة، ويسحب الرئيس دونالد ترامب الحماية الأميركية عنهم بعد قتالهم ضد تنظيم داعش من خلال قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والذي طلبته أميركا.

ويظهر اتفاق بين الرئيس الأميركي ترامب والرئيس التركي أردوغان والسلطة السورية المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، الجولاني سابقًا، والذي كان من ضمن تنظيمات مصنَّفة إرهابية عندما كانت قسد تحاربها، على التخلّي عن الكورد وتركهم لمصيرهم أمام هجوم جنود من الجيش السوري الحالي، وفصائل العمشات والحمزات الإرهابية المنقادة من تركيا، ومسلحي العشائر العربية، وأمام خطاب كراهية حاقد ينذر بإبادة عرقية تحمل أكثر وأعمق بكثير من مجرد محاولة لفرض الدمج مع الحكومة السورية الحالية المؤقتة. ومع ممارسات وحشية بحق الأسرى الكورد والمقاتلين والمقاتلات الكرديات الأسرى، من إعدامات جماعية وفردية وتمثيل بجثث الشهداء، وقص ضفائر الفتيات المقاتلات من قسد بعد قتلهن، كما تحطيم نصب رمزي لمقاتلة كردية لحقدهم على الكرديات وشجاعتهن في هزيمة داعش. هذا الحقد تجاه الكورد، المصحوب بالقمع والعنف والتوحش، يدفعنا لنطرح سؤالًا جوهريًا هو لماذا كل هذا الحقد على الكورد؟

الموضوع لا يبدو سياسيًا فقط، بل أيضًا ثقافي ومجتمعي، يُظهِر جهوزية عنفية رفضية ليس لمشروع الكورد السياسي فحسب، بل حتى لثقافتهم ولغتهم وانتمائهم وأعيادهم. وهنا لا بد أن نعود للبداية التاريخية التي بدأتُها، هل خضع الكورد للثقافة العربية كما خضع البقية؟ الجواب هو لا، ليس فقط في احتفاظهم بلغتهم وتقاليدهم، بل أيضًا بثقافتهم التي تميّزهم عن غيرهم، تحديدًا في مكانة المرأة الكردية، وهنا بيت القصيد.

فلا يزال المجتمع الكردي، وخاصةً في معاملته للمرأة، هدفًا للجماعات الإسلامية المتطرفة. حيث تمثل النساء الكرديات اللواتي يقاتلن داعش، ويقدن المجتمعات، ويرفضن الخضوع، كل ما يكرهه المتطرفون. عندما ظهر تنظيم داعش، وعندما ارتجف العالم، حملت النساء الكرديات السلاح ودافعن عن الإنسانية نفسها. في كوباني عام 2014، أوقفن ما يُسمّى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، ومات الكثير منهن، واستشهدن ليس فقط من أجل أرضهن، بل من أجل الحرية ورؤية مختلفة للحياة. فما يثير غضب أعدائهم حقًا، وما يخلق هذه الكراهية العميقة غير المنطقية، ليس فقط الهوية الكردية، إنما الحرية الكردية، وخاصةً حرية المرأة الكردية.

في منطقة غالبًا ما تُهمّش فيها المرأة أو تُسيطر عليها، وقفت المرأة الكردية شامخة، أصبحت قائدة، مقاتلة، صانعة قرار، ورمزًا للكرامة.

من هنا، أتضامن مع الكورد، مع مَن كرّم المرأة حقيقةً، وأشركها في الحياة والسياسة والجيش والعسكر وكل شيء. إنسانيًا وفكريًا، أتضامن مع أبناء الشمس الذين دافعوا عن الإنسانية عندما حلّ الظلام، عن تجربة ليست مثالية ولها أخطاء، لكنها بالإضافة إلى قتال داعش، استطاعت تحقيق بيئة عَلمانية متعددة الأديان ونموذج اجتماعي يُحتذى به. أتضامن مع مَن رفض الاختفاء، بالرغم من قمع العرب والأتراك والفرس وغيرهم. وها هو، برعاية الأمم كلها التي جلبت كل هذا الدمار على شعوب الحضارات، وغضّت النظر عن مجازر العثمانيين السابقة ضد مكوّنات عديدة من بينها الكورد والأرمن والآشوريين وغيرهم، وبعدها سياسات التتريك وعمليات إعدام جماعية للكورد، وسهّلت انتشار وتمكين الإسلاميين، ها هو الشعب الكردي يتعرض لما يشبه الإبادة اليوم، وكراهية ومحاولة محو هوية كان لها الفضل بمحاربة داعش لسنوات طويلة عن باقي الشعوب والأمم، والتخلّي عنهم هو خيانة للإنسانية والحرية التي دافعوا عنها في وجه داعش، كما يحصل لكوباني اليوم، التي تتعرض لحصار بعد أن كانت الرمز الحي للصمود والحرية بانتصارها على داعش من سنوات.

فسواء كنت ضد قسد، أو معارضًا لمشروع الكورد السياسي، والذي يضعنا جميعًا في خندق واحد على فكرة، لأننا جميعًا بحدودنا الحالية ودولنا الحديثة نِتاج اتفاقيات وتقسيمات كاتفاقية سايكس پيكو وغيرها، ونضال الكورد هو نضال ضد الانقسام الأول الذي حصل، وكان ممكنًا أن تكون أنت وأرضك ومجموعتك أو أي مكوّن بدل الكورد اليوم يعاني ويُحارب نتيجة اتفاقيات رسمت حدودًا مصطنَعة وخلقت كل هذا الصراع والحروب المستمرة، إلّا أنّ تجربتهم ملهمة، ومن المهم أن تفهم السردية التاريخية وبدايات الصراع وكيف غيّرت اتفاقيات كسايكس پيكو ومعاهدات لوزان وانتدابات لاحقة ملامح المنطقة سياسيًا واجتماعيًا، ولم يقتصر ذلك على تقسيم أراضي الكورد بين أربع دول وترسيم حدودها، بل في كل ما نتج عنها وما مهّدت له هذه الاتفاقيات من خلق أزمة هويات وصراعات عرقية ودينية وسياسية لم تنتهِ، يدفع الكل ثمنها حتى الآن.

أخيرًا، إنَّ الانتصار الوحيد هو انتصار الحرية والعدالة والمساواة والفكر العَلماني الذي يحتوي الجميع، ومن دونهم لا قيمة إنسانية لانتصار الحدود. عاشت ضفائر الكرديات ونضالات الشعب الكردي لأجل الحرية.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.