: آخر تحديث

البطريق الذي فضح موت الأوطان

3
4
3

في لقطةٍ قصيرة من فيلمٍ وثائقي قديم، خرج بطريقٌ من سربه، لم يصرخ، لم يلتفت، لم يطلب تفسيراً، فقط استدار، وبدأ يمشي وحده نحو الجبال، بعيداً عن البحر، بعيداً عن الطعام، بعيداً عن الجماعة، كأنّه يسير إلى النهاية وهو يعرفها. لم يكن مشهداً طبيعياً بقدر ما كان سؤالاً بصرياً مرعباً: لماذا يترك كائنٌ الحياة حين تكون الحياة أمامه؟

العالم لم يرَ بطريقاً فقط، العالم ببساطة رأى نفسه!

هكذا وُلد "البطريق العدمي" رمزاً للانسحاب الصامت، للتمرّد الكئيب، للإنسان الذي لم يعد يجد سبباً للبقاء داخل القطيع، لأن العدميّة ليست فكرةً فلسفيةً مجرّدة، بل لحظةً واقعية: لحظة تتوقّف فيها الحياة عن إقناعك.

ذلك البطريق لم يكن يبحث عن الجبال، بل كان يهرب من شيءٍ أكبر: من التكرار، من الطاعة، من الدور المفروض عليه. كان يقول بلا كلمات: أنا لست جزءاً من هذا النظام، حتى لو كان النظام هو النجاة!

وهنا تبدأ السياسة، السياسة ليست انتخاباتٍ وخطباً ورايات، السياسة هي أن ترى السرب يمشي باتجاهٍ واحد، وأن تعرف أنّ الاتجاه خاطئ، لكنك لا تستطيع أن تصرخ. السياسة هي أن تُدفع لتعيش داخل دائرةٍ لا معنى لها: نفس الوجوه، نفس الأكاذيب، نفس الشعارات، ونفس النهاية.

في بلدانٍ كثيرة، الإنسان يشبه ذلك البطريق أكثر مما يشبه المواطن. يمشي وسط الناس لكنه منفصل. يشارك في الحياة لكنه لا يؤمن بها. يتنفّس لكنه لا يشعر أنّه حي، لأن الدولة تحوّلت إلى قطيع، والسلطة تحوّلت إلى جبلٍ بارد، والمستقبل تحوّل إلى سؤالٍ بلا جواب.

البطريق العدمي ليس كئيباً لأنه يحب الموت، بل لأنه فقد الإيمان بالحياة كما تُقدَّم له. وهذا بالضبط ما يحدث حين تصبح الأوطان مشاريع مغلقة، حين يتحوّل المواطن إلى رقم، حين تصبح الحقيقة عبئاً، والكرامة رفاهيةً، والأمل تهمةً.

في العراق، مثلاً، كم بطريقٍ يمشي كل يومٍ نحو جباله الخاصة؟ ليس جبال الثلج، بل جبال الإحباط، جبال الفساد، جبال الميليشيات، جبال الدولة التي لا تكتمل. كم شاباً يترك سربه دون أن يعلن ذلك؟ يتركه بالهجرة، بالصمت، بالانتحار الداخلي، بالانسحاب من أي معنى.

هناك عدميّة سياسية أخطر من عدميّة الفلاسفة. عدميّة حين ترى بلدك يُستهلك كغنيمة، وتُدار حياتك كملف، وتُختصر أحلامك في "اصبر". عدميّة حين يصبح الوطن مكاناً لا يشبهك، وحين تصبح النجاة مجرّد تأجيلٍ للموت.

ذلك البطريق لم يكن حالةً فردية، بل مرآة. لأن القطيع ليس دائماً رحمة. أحياناً القطيع هو السجن. وأحياناً الجماعة ليست وطناً، بل ماكينة تبتلع المختلف، وتسحق السؤال، وتكافئ الصمت.

في السياسة العربية الحديثة، البطريق العدمي ليس استثناءً. هو المواطن الذي لم يعد يصدّق. هو الإنسان الذي رأى كل شيءٍ يتكرّر: الحروب نفسها، الوعود نفسها، الزعماء أنفسهم، الخراب نفسه. حتى الألم صار نمطاً.

ولذلك، يصبح الانسحاب فعلاً فلسفياً. يصبح المشي بعيداً نوعاً من الاحتجاج الصامت. ليس احتجاجاً ضد الحياة، بل ضد النسخة الرديئة منها. ضد الحياة التي تُدار بلا عدالة، بلا كرامة، بلا معنى.

المأساة أنّ البطريق يمشي وحده، لأن الأنظمة لا تسمح بالمشي الجماعي. لا تسمح للقطيع أن يسأل: لماذا نمشي؟ إلى أين؟ من يقودنا؟ من يستفيد؟

البطريق العدمي هو ابن السياسة حين تفشل السياسة. هو نتيجةٌ طبيعية حين تتحوّل الدولة إلى ظل، والإنسان إلى هامش، والحق إلى استثناء.

ولعل السؤال الحقيقي ليس لماذا مشى البطريق نحو الجبال، بل لماذا ما زال الآخرون يمشون خلف القطيع نحو الهاوية وهم يبتسمون؟

في النهاية، البطريق لم يمت فقط، بل كشف شيئاً مخيفاً: أن الكائن قد يختار العدم حين يصبح الواقع أكثر قسوةً من النهاية.

وهنا تكمن الصدمة الكبرى: أحياناً لا نحتاج إلى منقذ، بل نحتاج إلى سببٍ واحد يجعلنا لا نمشي وحدنا نحو الجبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.