في مجتمعٍ يزدهر بالإبداع والثقافة، يظهر أحياناً نمطٌ من الأفراد الذين يدّعون الانتماء إلى عالم الأدب والثقافة دون أن يمتلكوا أدنى مقوّمات هذا الانتماء. ليس هذا فحسب، بل يسعون لنشر الكراهية والحقد، ويستخدمون ادّعاءاتهم الثقافية كسلاحٍ لطعن الآخرين وتحقيق مكاسب شخصية على حساب القيم الإنسانية والأخلاقية.
هناك صنفٌ من البشر يدّعي الانتماء إلى عالم الأدب والثقافة، لكنه في الواقع يفتقر إلى الروح الحقيقية لهذه المجالات. هؤلاء لا يسعون إلى إثراء الآخرين بمعرفتهم، بل يعملون على تدمير العلاقات الإنسانية، مستخدمين كلماتهم كسهامٍ حادّة تُصيب القلوب وتُفرّق بين الناس. الغريب في الأمر أنّهم يعيشون بيننا، ويَعرفهم الجميع، لكنهم مستمرّون في تصرّفاتهم المُخزية دون رادع.
لماذا الحقد والكره؟
من الطبيعي أن يطرح المرء سؤالاً جوهرياً: ما الذي يدفع هؤلاء إلى الكراهية والحقد؟ هل هو الإحساس بالنقص؟ أم هو الفشل الذي يدفعهم إلى كراهية نجاح الآخرين؟ إنّ هذه التساؤلات تفتح الباب لفهم نفسيّاتهم المعقّدة التي تبدو وكأنّها مبرمجةٌ على نشر السواد والفرقة.
هؤلاء لا يكتفون بمواقفهم السلبية فقط، بل يتفاخرون بها ويعتبرونها شجاعةً أو جرأةً، بينما هي في الواقع انعكاسٌ لضعفهم الداخلي. يعيشون حياةً قائمةً على الحسد والرغبة في إسقاط الآخرين، وكأنّ نجاحهم الوحيد يكمن في إفشال من حولهم.
الغريب أنّ كثيراً من هؤلاء استطاعوا التسلّل إلى دوائر النجاح وحصد الأوسمة والمناصب، ليس بفضل كفاءتهم، بل بفضل مَكرهم واستغلالهم للأوضاع. تراهم يتصرّفون بتعالٍ وفوقية، متجاهلين أنّهم غير مرغوبٍ فيهم حقاً. هذا التناقض بين صورتهم الحقيقية وصورتهم الظاهرة يثير تساؤلاتٍ حول كيفية نجاحهم وسط هذا الكمّ الهائل من السلبية.
لا يمكن إنكار أنّ وجود هذا النوع من الأفراد يُفسد المناخ الثقافي والاجتماعي. فهم يشوّهون مفهوم الأدب والثقافة، ويجعلون من هذه المجالات منصّةً للتفاخر الفارغ والانتقاص من الآخرين. كما أنّهم يُسبّبون انقساماتٍ في المجتمع، ويؤثّرون سلباً على العلاقات بين الأفراد، ما يؤدّي إلى حالةٍ من الإحباط الجماعي لدى المثقفين الحقيقيين الذين يسعون إلى البناء لا الهدم.
والسؤال: كيف نواجه أمثال هؤلاء؟
التجاهل وعدم الانجرار خلف استفزازاتهم، لا سيّما أنّهم يعتمدون على ردود أفعال الآخرين لتبرير وجودهم، لذا فإنّ أفضل ردّ هو تجاهلهم تماماً، والعمل على تعزيز قيم الأدب الحقيقي، وتشجيع المثقفين الذين يعملون بإخلاصٍ على نشر المعرفة. كما أنّ كشف أساليبهم السلبية يُساعد في تقليل تأثيرهم في المحيط الاجتماعي، وحالما يجد المثقفون الحقيقيون دعماً يُصبح من الصعب على هؤلاء المتسلّقين أن ينالوا الاهتمام الذي يسعون إليه.
إنّ مواجهة مدّعي الثقافة والأدب ليست بالأمر السهل، لكنها مسؤوليةٌ تقع على عاتق المجتمع بأسره. يجب أن نُميّز بين المثقف الحقيقي الذي يسعى إلى نشر القيم الإيجابية، وبين من يدّعي الثقافة ليبثّ الحقد والضغينة. لا مكان لهؤلاء في مجتمعٍ يسعى إلى النهوض والارتقاء. علينا جميعاً أن نعمل على كشف زيفهم، وتعزيز قيم الإبداع والإخلاص في عالم الأدب والثقافة.

