الكثير من المسائل في هذه الحياة بشكل عام نجد فيها الاختلاف والتفاوت في الآراء والمواقف والأحكام ووجهات النظر. والإشكال حين يكون لكل موقف أو حكم أنصارٌ لهم وزنهم، سواء بشهاداتهم العليا في المجال، أو بالخبرة الواسعة فيه، وهنا تتملّك الإنسان الحيرة التي تنتهي بالبعض، في كثير من الأحيان، إلى اتخاذ موقف "اللاموقف" لصعوبة الجزم بصحة رأي معيّن وترجيحه على غيره من الآراء.
الأمر الأكثر غرابة وتعقيدًا في الفكر الإنساني، هو أنّ العقل البشري متقلّب في قناعاته باستمرار غالبًا في نظري؛ بمعنى أنّ قناعات زيد من الناس اليوم تختلف عن قناعاته قبل 10 سنوات مضت مثلًا، وستختلف كثير من قناعاته بعد عشر سنوات قادمة عن قناعاته اليوم أيضًا.
والعجيب في الأمر هو أننا نتحمّس وتتوتّر أعصابنا أحيانًا في النقاش حول مواضيع مختلفة، فتجد الواحد منا يصرّ على صحة رأيه وخطأ رأي الشخص الآخر الذي يحاوره، مع أنه كان قبل 10 سنوات أو أقل، أو سيكون بعد 10 سنوات أو أقل، يحمل القناعة نفسها للشخص الآخر الذي يختلف معه اليوم.
ولهذا كلّه، ولغيره الكثير مما يطول ويصعب شرحه هنا، تجد أنّ أهل الحكمة والمعرفة العميقة والنضج الحقيقي هم أقل الناس تعصّبًا لآرائهم غالبًا، فلا تجدهم، مثلًا، يتهجّمون على من يختلف معهم، ولا يحاولون إقصاءه أو ممارسة الوصاية عليه، لعلمهم أن القناعات اليقينية بنسبة 100 بالمئة نادرة إن لم تكن مستحيلة. فتجد لسان حالهم: "رأيي أعرضه ولا أفرضه، وأحترم آراء الآخرين". وفي هذا يقول فولتير: "قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنًا لمنحك حرية التعبير عن رأيك".
ومن المثير للدهشة، أنّي قرّرت قبل عدّة أشهر وضع قائمة تضم ما يقارب عشرين مسألة، من المسائل التي كنت أعتقد، كالكثير من الناس، أنّها مسائل كبرى معروفة ومحسومة لا تقبل الجدل والنقاش عند الجميع، وأنّ الناس، خاصة النخب الثقافية والفكرية والأكاديمية ومن في حكمهم، متفقون على القناعات العامة المعروفة حول تلك المسائل، فهي أشبه بالمسلّمات التي لا يخطر على بال أحد أنّ إنسانًا، سواء كان من العامة أو من الخاصة، سيختلف مع القناعات البشرية الجمعية السائدة حولها في مختلف المجتمعات.
ثم بدأت في البحث العميق عن كل مسألة من تلك المسائل التي وضعتها في قائمتي. وكانت المفاجأة أنّي وجدت آراءً ووجهات نظر كثيرة متعددة ومتعارضة، في جميع تلك المسائل، دون استثناء، التي كنت أعتقد أنّها محسومة ويتفق عليها كل البشر، لشدة وضوحها وانتشار القناعات الجمعية العامة حولها.
والمدهش أكثر، هو أنّي وجدت أسماء كبيرة لها وزنها الثقيل بين النخب الثقافية، أو الأكاديمية، أو العلمية، أو البحثية، أو الدينية، أو المعرفية، أو غيرها، تحمل وجهات نظر مدعومة بحجج وأدلة وبراهين، مصادمة تمامًا للمواقف المعروفة السائدة الجمعية، التي لا يتصوّر أحد للوهلة الأولى أنّ هناك إنسانًا سويًا يختلف معها، حتى لو كان من بسطاء الناس وعوامهم، فكيف إذا كانت الآراء والمواقف المضادة صادرة من أشخاص في درجة عالية من القيمة والأهمية والمكانة.
هذا ما لديّ في هذه المسألة، والباب مفتوح لكل من أراد التعليق أو الاعتراض أو مناقشة الموضوع معي، من خلال "الرسائل الخاصة" على منصة X تويتر، فقد فتحت الرسائل الخاصة في حسابي للجميع بلا قيود ولا شروط.

