تتوافد أسماء في الحياة الفنية العراقية كأنها ظلال لشخصيات كانت في مسرحٍ مشحونٍ بالأضواء، بينما تظل أسماء أخرى كالأضواء المتلألئة التي لا تُطفئها السُّنون. صباح عطوان يُعدّ من تلك الأضواء التي تزداد تألقًا كلما ابتعدت عنها، وعندما تقترب تكتشف أن في لهبها عمقًا من الحكمة وصلابةً من تجارب الحياة الأولى.
وُلِد صباح عطوان في الأوّل من تموز (يوليو) 1946 بمدينة الناصرية، المدينة التي تصنع شغف القصص في نفوس أبنائها، وهناك اكتشف في منتصف الخمسينيات، وهو فتى نحيل، سحر المسرح وأضواءه وتأثير الجمهور في المتلقي.
لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره عندما كتب مسرحياته الأولى، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عن الكتابة والإنتاج، كأن الفن كان ينتظره، وطاقة إبداعه تتنفس من خلال السرد فقط. ثم اتخذ خطوة بارزة بتأسيس فرقته المسرحية الشعبية في المرحلة الشبابية، التي كانت بمثابة مختبر للحِرَفية التي أظهرت موهبته وقوة أدائه الدرامي.
لم يكتفِ بعالم المسرح، بل سعى إلى توسيع رؤيته لتشمل التلفزيون والسينما، حيث كتب أعمالًا خالدة تركت بصماتها في ذاكرة الشعب العراقي، وأصّلت صورًا ورموزًا تظل تحيا كلما استرجع الناس تجاربهم الماضية.
تظل نصوصه قريبة من الجمهور، بسيطة في شكلها، لكنها عميقة في مضمونها، حاملة بصمة واضحة تُعلّم الجيل الجديد كيف يجمع بين الواقعية والخيال. بذلك، بقيت أعماله قريبة من الجمهور، بسيطة في شكلها ولكن عميقة في مضمونها، كأنه نهر جنوبي هادئ يُخبئ تحت سطحه تيارًا قويًا.
لم يكن يتناول الكتابة من منظور علوي، بل من العمق، من الواقع، من الشوارع، من عطر الأحياء، ومن ضجيج الريف وحِيَل المدن، ومن التقاليد التي تُشكّل حياتنا، ومن الصراعات التي تُثير الوعي. كان ينظر إلى الواقع ثم يعيد صياغته بدلًا من تقليده، يُعيد الحياة للجُمل بعد أن ينفض الغبار عنها ليجعل من القصة جسدًا حيًا.
ومن هنا تنبع قوة وجوده، ودفء نصوصه، وصدق تأثيره في النفوس. عاش كطائرٍ يتجول بين عشه والأعشاش الأخرى، انتقل بين المدن وتعرّف إلى الحدود والناس، لكنه احتفظ بالعراق في قلبه. حمل معه صدى الجنوب، وعطر البصرة، وصلابة الناصرية، ومسرح الدراما في عروقه.
كان يكتب بلا انقطاع، كثير النشاط، مدهوشًا بعمق، يراجع مسوداته كما لو كان ينقّب عن عبارة مفقودة في طبقات الزمن. كتب عن الريف والمدينة وكأنه عاش دهورًا فيهما، مجسّدًا العلاقات الإنسانية بكل تعقيداتها، بينما يعكس الأعراف الثقيلة والصراعات النفسية بكل حدّة وصدق.
لم يستهوِه الاستخدام المكثف للرمزية، بل فضّل عرض الواقع كما هو، مع لمسته الخاصة التي تُحوّل المعتاد إلى غير عادي، والبسيط إلى مؤثّر، لذلك أصبح أقرب كتّاب الدراما إلى مخيلة الناس، وأكثرهم قدرةً على فهم مشاعر الجمهور.
كان أحد مؤسسي المسرح العمالي، ساهم في توجيه الجيل الجديد من المسرحيين، مانحًا لهم الدعم بلا خجل ومشاركًا تجربته كهدية. كان إداريًا حكيمًا، مخرجًا بارعًا، وكاتبًا متأملًا، وشخصيةً سهلة الاقتراب منها لأنها تحتفي بالفن والإنسان على حد سواء.
صنع لنفسه مدرسة درامية متكاملة تجمع بين عمق الشخصيات وبراعة الحبكات، وقدّم أعمالًا خالدة تركت بصمة واضحة في التلفزيون والسينما على حد سواء. من أبرز أعماله التلفزيونية: "ذئاب الليل"، و"عالم الست وهيبة"، و"الأماني الضالة"، و"الهاجس"، و"أقوى من الحب"، و"جرف الملح"، و"فتاة في العشرين"، و"باشاوات آخر زمن"، و"غرباء الليل". كل عمل من هذه الأعمال جاء كلوحة متكاملة تعكس صراع الإنسان مع ذاته ومجتمعه، وتمزج بين التراجيديا والكوميديا الاجتماعية بمهارة، بما يجعل المشاهد مشاركًا في تفاصيل الحدث لا مجرد متلقٍ سلبي.
وعلى صعيد السينما، أبدع في أعمال مثل "المتمردون" و"الباحثون" و"يوم آخر" و"زمن الحب"، حيث اتسمت نصوصه بالقدرة على مزج الأبعاد النفسية مع السياق الاجتماعي والسياسي، وأعاد تشكيل لغة السيناريو لتصبح أداة تحليل وفهم للواقع، لا مجرد وسيلة للترفيه.
ويُعدّ أيضًا رائدًا في المسرح العراقي، حيث بدأت تجربته المسرحية في الستينيات مع تأسيس جماعة المسرح الشعبي في البصرة، التي شكّلت منبرًا للفن النقدي والاجتماعي والسياسي معًا. خلال مسيرته المسرحية، قدّم عشرات المسرحيات التي جمعت بين التفاعل مع الواقع الاجتماعي والتحليل السياسي، وطرحت رؤى نقدية حادّة ضمن أطر درامية مبتكرة. من أبرز أعماله المسرحية: "حسن أفندي" عام 1960، و"قصر الشيخ علا" عام 1970، و"رصيف الغضب" عام 1978، التي فازت في مهرجان دمشق المسرحي لعام 1978 تحت إخراج عزيز خيون، و"سيرك معاصر" عام 2007. هذه الأعمال عبّرت عن تطور المسرح العراقي عبر عقود من الزمن، وامتزجت فيها التجربة الإنسانية بالقضايا الوطنية، ما جعلها علامة فارقة في تاريخ المسرح المحلي وأساسًا لأجيال لاحقة من المبدعين المسرحيين.
من خلال هذه التجربة الغنية، أصبح كاتب السيناريو مدرسة درامية متكاملة بحد ذاته، تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين العمق الإنساني والرؤية الفنية، لتظل أعماله مرجعًا لكل الأجيال في الدراما العربية.
في أذهان كل من عرفوه، وأنا واحد من هؤلاء، تبقى صورته ثابتة ومميزة: إنسان عفوي وطيب، سريع البديهة، وجزء لا يتجزأ من الثقافة العامة، يحمل في داخله مكتبة متكاملة. يتابع الفنون العالمية، يفسرها بلغة بسيطة، ويعيد تقديمها بأسلوب يفهمه الجميع.
إنسان عفوي وهادئ، سريع البديهة، مطلع على الفنون العالمية، قادر على تبسيط التعقيدات وتقديمها بأسلوب يفهمه الجميع، وبالرغم من ميله إلى الهدوء وعدم السعي إلى الأضواء، يظل مصدرًا للإلهام لكل من حوله. لا يُعتبر مجرد كاتب أو سيناريست عابر، بل هو تجسيد لجيل كامل في شخص واحد، ومنارة تعليمية تمشي بيننا. كتب بطريقة طبيعية كما يتنفس، وعاش بحساسية وبألم نبيل، ويحمل حلمًا يسعى إلى الحفاظ عليه.
وما زال اليوم يحتفظ في عينيه بلمعان مدن العراق، وفي روحه صدى مدينة الناصرية، وفي كتاباته ألم وعراقة هذا الوطن وجماله. إنه أحد الأسماء التي لا يمكن أن يُكتب عنها تاريخ الدراما العراقية دون الرجوع إليها.
صباح عطوان، مكتبة درامية متكاملة، يظل ضوءًا يضيء المدن العراقية، حاملًا صدى الجنوب، وعطر البصرة، وصلابة الناصرية، وروح المسرح في عروقه. هو رمز للكتابة التي تعكس الواقع، وتُعيد الحياة لكل جملة وكلمة، لتترك أثرًا خالدًا في ذاكرة الشعب العراقي.
الاحتفاء به ليس مجرد ترف، بل اعتراف بحق رجل كتب لكلمات الحياة كي يهديها لأجيال كاملة.


