: آخر تحديث

غزة كنموذج لمنطقة دولية ذات نظام خاص

2
2
2

بعد قبول عدد من الدول المؤثرة في الإقليم والعالم الانخراط في المبادرة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتشكيل مجلس دولي خاص بإدارة غزة في المرحلة التالية للحرب، لم يعد النقاش محصورًا في إزالة الركام أو تأمين التمويل الأولي للإعمار، بل في طبيعة النموذج الذي يُراد بناؤه فوق هذا الواقع الجديد. فالمبادرة، بصيغتها المعتمدة، تشير إلى ترتيب سياسي وأمني واقتصادي ممتد، يُعيد تعريف وظيفة القطاع، وحدود سلطته، ونمط الإدارة فيه. من هنا يصبح السؤال المركزي: أي كيان سياسي وأمني واقتصادي ستصبح عليه غزة خلال العقدين القادمين؟

المدخل إلى هذا التحول يبدأ من المعطى المادي، فوفق تقارير أممية، ارتفعت كمية الركام من نحو 23 مليون طن مطلع عام 2024 إلى أكثر من 53 مليون طن في ربيع 2025، مع تقديرات أخرى ترفع الرقم إلى قرابة 61 مليون طن إجمالًا. وهذا الحجم من الأنقاض يتجاوز كونه تحديًا هندسيًا، ويشكّل عبئًا بنيويًا يستدعي نمط إدارة استثنائيًا، حيث إن إزالة الركام وحدها قد تستغرق بين سبع سنوات وعقدين، وبكلفة تقترب من 900 مليون دولار، قبل الشروع في إعادة بناء البنية التحتية أو المساكن أو أي نشاط اقتصادي منتظم.

ضمن هذا السياق، يبرز الانتقال من نموذج إقليم متنازع عليه إلى نموذج منطقة مُدارة دوليًا ذات نظام خاص بوصفه مسارًا مرجحًا، لا مجرد خيار نظري. وقد تجسّد هذا التوجه عمليًا في قيام مجلس دولي خاص بإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة بقيادة الولايات المتحدة، وبمشاركة عدد من الدول المؤثرة سياسيًا وماليًا. جوهر هذا الترتيب لا يكمن في بنيته الشكلية، بل في نقل مركز القرار من سلطة محلية إرهابية إلى منظومة دولية تعمل بمنطق الاستقرار وإدارة المخاطر طويلة الأمد.

غير أن أي نموذج من هذا النوع لا يمكن أن يعمل بوجود سلطة مسلحة إرهابية داخل القطاع. لذلك تُطرح استراتيجية التقزيم ثم التصفير لحركة حماس، بوصفها تنظيمًا إرهابيًا مسلحًا، حيث تقوم المرحلة الأولى على تفكيك احتكار حماس الإرهابية للقوة عبر ترتيبات محلية انتقالية تضبط المجال الأمني وتمنع إعادة تشكّل سلطة عسكرية مركزية. والمرحلة الثانية تنتقل إلى المجال القانوني، عبر تجفيف مصادر التمويل، وإغلاق الأطر التنظيمية، وتجريم الرموز والشعارات، وتحويل الحركة الإرهابية إلى ملف أمني إداري محدود التأثير.

من وجهة نظري كمراقب، هذا المسار لا يستهدف تنظيمًا بعينه فقط، بل يُعيد صياغة العلاقة بين السلاح والسياسة داخل القطاع. فالمنطقة التي يُراد لها أن تعمل وفق نظام قانوني واستثماري خاص لا تحتمل وجود كيان إرهابي مسلح قادر على تعطيل النشاط الاقتصادي أو فرض أجندة أيديولوجية خارج الإطار المنظم. وفي هذا الإطار، يبرز ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" بوصفه عنصرًا بنيويًا في الترتيب الجديد، لا إجراءً ميدانيًا مؤقتًا. فهو يُصمَّم كنطاق فصل ورقابة دائم داخل القطاع ومحيطه، تُضبط عبره حركة الأفراد والمواد والبضائع وفق نظام أمني متعدد الطبقات. وبالارتباط بزمن إزالة الركام وإعادة بناء البنية التحتية، يُرجَّح أن يستمر هذا النطاق الأمني لسنوات طويلة، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي نموذج استثماري واسع النطاق، لا مجرد أداة عسكرية انتقالية.

ومن هنا يُعدّ الدور الإسرائيلي عنصرًا دائمًا في بنية المشروع، فاستقرار المنطقة الجديدة يتطلب جهة قادرة على ضبط الحدود، ومراقبة تدفق المواد الاستراتيجية، وتأمين المعابر، ومنع إعادة التسلح، وإحباط محاولات قوى إقليمية مسلحة فرض أجنداتها داخل القطاع. هذا التخوف يحتل موقعًا مركزيًا في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، إذ يُنظر إلى أي حضور عسكري إقليمي منافس بوصفه عاملًا كفيلًا بإعادة إنتاج عدم الاستقرار، وتعطيل هدف تحويل غزة إلى منطقة كوزموبوليتية آمنة ومندمجة في الفضاء المتوسطي، وقادرة على المنافسة اقتصاديًا وسياحيًا مع مدن الساحل المجاورة.

ومن هنا تتقدم فكرة إعادة تصميم غزة كنطاق استثماري خاص بقواعد قانونية مستقلة نسبيًا عن محيطه. المقارنة الأقرب ليست بدولة إقليمية أخرى، بل بتجارب مثل هونغ كونغ قبل عام 1997 أو ماكاو كنموذج لمنطقة ذات نظام اقتصادي منفتح وقوانين استثنائية داخل إطار سيادي أعلى. غير أن التحول الأعمق يقع في إعادة تشكيل البنية الفكرية للمجتمع نفسه. فالمشروع، في جوهره، لا يكتفي بتصفير تنظيم إرهابي، بل يسعى إلى تفكيك منظومة أيديولوجية كاملة تشكّلت حول ثقافة الصراع والتعبئة المستمرة. هنا تبدأ مرحلة يمكن وصفها بهندسة الوعي الجمعي، عبر إعادة توجيه التعليم والإعلام والفضاء العام نحو قيم مختلفة تقوم على العمل والانفتاح والتعايش الوظيفي والاندماج في نمط حياة متوسطي أقرب إلى مدن جنوب أوروبا أو مناطق مثل ماكاو وسنغافورة، حيث تُعرَّف الهوية بالمدينة والاقتصاد والخدمات، لا بالاصطفاف العقائدي أو السياسي.

خلاصة القول إن غزة، وفق هذا التصور، لا تدخل مرحلة ما بعد الحرب فقط، بل مرحلة ما بعد التنظيمات المسلحة وما بعد الأيديولوجيا المتطرفة الصدامية. إنها تتحول إلى منطقة تُدار بمنطق الامتثال والاستثمار وإعادة تشكيل الهوية، حيث يُعاد تعريف الحكم باعتباره إدارة اقتصادية أمنية طويلة الأمد، لا تعبيرًا أيديولوجيًا ولا ساحة صراع مفتوح.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.