: آخر تحديث

رواتبُ كوردستان بين الارتهان والتفقير الممنهج

1
2
2

ليس قطعُ رواتب موظفي إقليم كوردستان إجراءً إداريًا ولا خلافًا محاسبيًا كما يُسوَّق في بياناتٍ باردة، إنه، في جوهره، واحدة من أخطر أدوات التفقير الممنهج: تحويل لقمة العيش إلى ساحة اشتباك، وإعادة تعريف المواطن من صاحب حق إلى رهينة تنتظر الإفراج الشهري.

في الدول الطبيعية، الراتب عقدٌ بين الدولة والمجتمع: خدمةٌ مقابل استحقاق، تضمنه القوانين ويضبطه القضاء، أما حين يتحوّل الراتب إلى ورقة ضغط، فهذا يعني أن الدولة لم تعد حكمًا بين مواطنيها، بل طرفًا يُعاقب ويكافئ، ويُقرّر من يستحق الحياة ومن يُترك على حافة العوز، وعند هذه النقطة، يصبح الفقر سياسةً لا أزمة، ومن هنا نسأل: ما الغاية السياسية من تجويع الناس؟

الغاية الأولى واضحة: كسر الإرادة العامة، فالمجتمع الذي يُستنزف يوميًا في معارك الإيجار والدواء والمدارس، يتراجع تلقائيًا عن مطالبه الكبرى: الدستور، الشراكة، الفيدرالية، والحقوق، وحين يُنهَك الموظف والمعلم والطبيب والشرطي، أي العمود الفقري للحياة اليومية، تصير السياسة ترفًا، وتتحوّل المواطنة إلى طلب نجاة.

الغاية الثانية أخطر: تفكيك الثقة داخل الإقليم نفسه، فتأخير الرواتب وقطعها لا يضرب الناس فحسب، بل يضرب علاقة المواطن بمؤسساته، ويغذّي سردية: لا جدوى من القانون، ولا جدوى من الدولة، وهنا تبدأ الحلقة المسمومة: غضبٌ اجتماعي، تخوينٌ متبادل، انقسامٌ عمودي، ثم بحثٌ عن حلول فردية، هجرة، رشوة، وساطات، بدل الحل السياسي العام.

والغاية الثالثة، وهي الأكثر خبثًا، هي إنتاج الفساد كبديل عن الحق، حين يُحرم الموظف من راتبه، لا يتحوّل تلقائيًا إلى قديس جائع، تُفتح أمامه أبواب التحايل: رشوةٌ لتسيير معاملة، أتاوة على خدمة، تسيّبٌ إداري، أو سوقٌ سوداء لتغطية العجز، ومع الوقت، لا ينهار الدخل فقط، بل تنهار الأخلاق الوظيفية، وتُستبدل فكرة الخدمة العامة بفكرة النجاة الفردية، وهكذا يُصنع مجتمعٌ متعبٌ، قابلٌ للفوضى، يلوم نفسه بدل أن يُحاسب من هندس التفقير.

هذه السياسة ليست معزولة عن سياقٍ أوسع: تعطيل الدستور كمنهج حكم، فالقوى النافذة التي تُمسك بخناق الرواتب، هي ذاتها التي أعاقت تطبيقاتٍ دستورية جوهرية، في مقدمتها تشريع قانون النفط والغاز الذي يُنهي النزاع من جذوره ويضع قواعد شفافة لتوزيع الثروة والسلطة، وهي أيضًا القوى التي ما زالت تُبقي البلاد أسيرة ترسانةٍ من القوانين البائدة، ومنها كثيرٌ من إرث "مجلس قيادة الثورة المنحل"، لأن القاعدة الذهبية للاستبداد هي: كلما ضعُف الدستور، قويت الشبكات. بل إن الاعتراض لم يتوقف عند حدود الإقليم القائم، إذ جرى عمليًا تعطيل أي محاولة، من محافظة أو عدة محافظات، لتأسيس إقليمٍ وفق النص الدستوري. لماذا؟ لأن الإيمان الحقيقي بالديمقراطية والفيدرالية يعني الاعتراف بتعدد مراكز القوة داخل الدولة، وهذا يتناقض جذريًا مع مشروع المركز الواحد الذي يحلم بعودة النظام الشمولي بواجهة جديدة، وبصبغة واحدة، وتوابع على هيئة تحالفات مصطنعة تشبه جبهات قديمة: ديمقراطية كرتونية تُزيّن واجهة السيطرة ولا تُقيّدها.

حين يصبح الراتب بندقية، لا يعود التفقير نتيجة جانبية، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمع: مجتمعٌ مُنهك، منقسم، مستعد لتقبّل أي منقذ وأي قبضة مقابل الاستقرار، وهنا تبلغ السياسة غايتها النهائية: ليس إخضاع الإقليم وحده، بل إخضاع فكرة الدولة الدستورية نفسها.

والخلاصة أبسط مما يُراد لها أن تبدو معقّدة: من يقطع الرواتب لا يفاوض بل يدرّب الناس على العيش بلا حق، ومن يدرّب الناس على ذلك، لا يبني دولة، بل يبني هشاشةً قابلة للكسر عند أول عاصفة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.