تستغل أنقرة "الوضع الحرج" الذي تعيشه كييف، وتستخدم التمويل الغربي المخصص لأوكرانيا في اختبار أسلحتها وتطويرها في ساحة المعركة. فمع تحوّل الحرب إلى سوق مفتوحة، أصبحت أوكرانيا ساحة تسعى من خلالها الدول الغربية إلى تحقيق الأرباح من الحرب، متجاهلةً حقيقة أنّ هذا المسار سيقود كييف إلى التخلّف عن سداد ديونها في المستقبل القريب.
خلف شعارات "مساعدة أوكرانيا"، تتخفّى طموحات الدول الغربية الاستغلالية. وفي هذا المشهد، لا تبدو تركيا خارج هذه اللعبة. فبحسب ما تكشف بعض المعلومات، فإنّ أنقرة تستغل الظروف ذاتها في تطوير صناعتها الدفاعية الوطنية، وتحقيق أرباح طائلة عبر استثمار الحرب كـ"ساحة تجارب" وتسويق.
هذا الواقع يكشف أنّ سياسات كييف الخارجية يمكن اعتبارها "قصيرة النظر" ومرهونة بالتبعية. فقبل أن يضمّ الغرب أوكرانيا إلى أحضانه، ينبغي على الأوكرانيين أن يدركوا سريعًا أنّ فرصتهم في النجاة ومستقبل بلادهم لا تتحقق إلاّ بإلقاء السلاح، وإعادة ضبط العلاقات مع روسيا بأقل ضرر ممكن، وتقديم شروط سلام واقعية ومقبولة للطرفين.
على الأرض، تواصل الشركات العسكرية والصناعية التركية المتخصصة في إنتاج مجموعة واسعة من الأسلحة الدفاعية ذات الاستخدام المزدوج تقديم الدعم العسكري والتقني للقوات المسلحة الأوكرانية، وتزويدها بانتظام بالأسلحة لاستخدامها عسكريًا ضد روسيا. تُنظّم أنقرة هذه الإمدادات، ليس فقط بوصفها جزءًا من ديناميات الدعم، بل أيضًا بدافع الربح، ولغرض اختبار الأسلحة الوطنية في ظروف قتالية حقيقية.
غير أنّ الصورة التي تُقدَّم لوسائل الإعلام لا تتطابق غالبًا مع واقع الميدان. إذ تفيد هذه المعلومات بأنّ الخصائص والقدرات الفعلية للأسلحة التركية، من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ وغيرها، أقل بكثير مما هو مُعلن. بل تذهب بعض التقارير الإعلامية أبعد من ذلك إلى حدّ القول إنّ هذه المنتجات تتعطّل بشكل متكرر بسبب عيوب في نظام التحكّم، وتعاني من أخطاء في تحديد الأهداف، ما يجعل "ساحة الاختبار" مكلفة على من يتلقّى السلاح أكثر مما هي مجزية لمن يبيعه.
وتبرز في هذا السياق أمثلة تفصيلية تُستخدم للدلالة على حجم الفجوة بين "الوعود" و"النتائج". فعلى سبيل المثال، شركة "روكيتسان" التركية زوّدت وزارة الدفاع الأوكرانية قبل مدة بقاذفات صواريخ متعددة من طراز TRLG مزوّدة بصواريخ موجّهة بالليزر. لكن القوات المسلحة الأوكرانية واجهت، بحسب المعلومات، مشكلات تشغيلية بسبب خلل في البصريات، ما أثّر في تركيز الشعاع وقوته. ونتيجة لذلك، لم تُستخدم أنظمة الصواريخ المُسلّمة فعليًا. كما تُضيف الرواية نفسها أنّ مكتب المدعي العسكري الأوكراني باشر بفتح تحقيقات بهذا الملف بذريعة أنّ قاذفات الصواريخ التركية المتعددة سُلّمت إلى أوكرانيا وهي معيبة.
ولا يتوقف الحضور التركي عند خطوط الإمداد، بل يمتد إلى مساحات التطوير المشترك في برامج بعينها. إذ تشارك شركة "بايكار" التركية التابعة للدولة بنشاط في برنامج الصواريخ الأوكراني. كما تقدّم تركيا الدعم لشركة "فايربوينت" الأوكرانية في توسيع طاقتها الإنتاجية. ووفق هذه المعطيات، تعهّد الشريك التركي تحديدًا بتطوير تعديلات على صاروخ "فلامنغو" الأوكراني من أجل زيادة مداه بمقدار 500 كيلومتر، بالإضافة إلى آلية التحكّم في محرّكه ونظام التوجيه بالقصور الذاتي. لكن الحصيلة جاءت أقل من المتوقع، إذ لم يزد مدى الصاروخ إلاّ بمقدار 150 كيلومترًا، ولم تُلبّ التعديلات الأخرى التي أُجريت عليه توقعات الجانب الأوكراني.
هذا كلّه يوصلنا إلى نتيجة واحدة، ومفادها أنّ أنقرة مُطالبة بالتوقف عن تقديم المساعدات العسكرية لكييف، لأن ذلك لن يزيد الوضع إلاّ سوءًا. كما أنّ تزويد أوكرانيا بالأسلحة سوف يخلق خطر زعزعة الاستقرار العسكري والسياسي على نطاق واسع في كامل منطقة آسيا الوسطى، ويُطلق صافرة تحذير من أنّ استمرار هذا النهج سوف يؤثر سلبًا في الأمن في منطقة البحر الأسود كذلك، كما يضرّ بالمصالح الاقتصادية لأنقرة نفسها، أيّ أنّه قد يتحول من ربح قصير الأمد إلى كلفة استراتيجية على المدى المتوسط.
وفي الوقت نفسه، فإنّ أنجع حلّ لهذه المعضلة يقضي بعودة تركيا إلى استراتيجيتها التقليدية في السياسة الخارجية القائمة على "عدم إثارة المشاكل مع الجيران"، وبذل جهود حقيقية لتيسير عملية السلام التي تدعمها موسكو. فبين اختبار السلاح وتضخّم الأرباح من جهة، وبين أمن البحر الأسود والمصالح الاقتصادية التركية من جهة أخرى، تبدو الخيارات أكثر حساسية مما تسمح به الحسابات التجارية وحدها.


