: آخر تحديث

حجم (المجلس الانتقالي الجنوبي) بين المكونات اليمنية

3
3
3

محمد بن عيسى الكنعان

في مقال سابق نُشر في صحيفة الجزيرة بعنوان: (اليمن من روح الاستقلال إلى طريق الانفصال) استعرضت تاريخ اليمن المعاصر لمحاولة تفسير ما يجري اليوم على الساحة اليمنية. ومن يقرأ ذلك المقال ربما يستنتج أن الواقع اليمني بشكل عام مُعقد سياسيًا بسبب التحولات السياسية والتباينات في الرؤى الفكرية، ومُتداخل اجتماعيًا بسبب التركيبة القبلية والتراكمات التاريخية، فعلى سبيل المثال، فريق من المجلس الانتقالي الجنوبي يُطالب بانفصال الجنوب عن الجمهورية اليمنية، بحجة أن الجنوب اليمني كان دولةً مستقلةً قبل توقيع اتفاقية الوحدة عام 1990م، في ذات الوقت يوجد بين أهل الجنوب من يرى أن حضرموت تاريخيًا ليس ضمن الجنوب اليمني، إنما كان مستقلًا وقد تمّ ضمّه إلى جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية؛ وكأن لسان حاله يقول لا تستدعوا التاريخ لأنه سيستحضر معه الجغرافيا.

من هنا، وبناءً على هذه التحولات السياسية المتتابعة في الواقع اليمني بخلفياتها التاريخية فإنه من الطبيعي أن تتعدد مكونات هذا الواقع، فأحيانًا يكون المكون نتيجة طبيعية للإرث التاريخي للمجتمع فيتشكل تلقائيًا بالمشهد السياسي، وأحايين أخرى يكون الظرف التاريخي السياسي سببًا في ظهور هذا المكون، أو البُعد الفكري يُسهم بذلك بسبب التأثر بأفكار وافدة ذات منطلق أيدلوجي.

وبالنظر إلى مكونات الواقع اليمني بشكل عام، نجد مكوناته تتباين في الحجم البشري، والقوة العسكرية، والنفوذ السياسي، والنطاق الجغرافي، والصوت الإعلامي، وربما الدعم الإقليمي والاعتراف الدولي. خاصةً أن الأحداث اليمنية خلال السنوات الأخيرة كشفت عن ظهور مكونات صنعها الظرف التاريخي مثل جماعة الحوثي بالشمال، والمجلس الانتقالي بالجنوب، وهنا يمكن استعراضها جميعًا بتوجيه البوصلة أولًا نحو الشمال اليمني، فهو حاضنة لعدة مكونات قوية، أهمها مكون (الشرعية اليمنية)، وهي تمثل الكيان القانوني المعبّر عن الجمهورية اليمنية، والمتمثلة اليوم بـ(مجلس القيادة الرئاسي) الذي يرأسه الدكتور رشاد العليمي، ويُدير أعماله من عدن مؤقتًا، والذراع العسكري لهذه الشرعية قوات (درع الوطن) إلى جانب الجيش اليمني.

في مقابل ذلك نجد المكون الثاني جماعة أنصار الله (الحوثي) بقيادة عبد الملك الحوثي، وهي حركة دينية سياسية مسلحة، معقلها في محافظة صعدة، وتتمركز حاليًا في العاصمة صنعاء، والحديدة (ميناء)، ومحافظات المرتفعات الشمالية مثل (عمران، وذمار، وإب، وغيرها).

المكون الثالث هو (حزب المؤتمر الشعبي العام) الذي كان يقوده علي عبد الله صالح، وبعد مقتله عام 2017م تفرق الحزب إلى ثلاثة أجنحة، جناح انضم إلى الشرعية اليمنية، وجناح بقي في صنعاء، وجناح شكّل المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.

أما المكون الرابع فهو (حزب التجمع اليمني للإصلاح) ويُتهم أنه إخوان مسلمين، وقيادته في هيئة متعددة وليست شخصية محددة، ويملك نفوذًا قبليًا وسياسيًا، وقوات عسكرية، ويتركز في مأرب وأجزاء من تعز. يرفض الانفصال، لكنه يؤيد خيار يمن اتحادي، من قياداته التاريخية عبد الله بن حسين الأحمر.

هذه المكونات اليمنية تعتبر عريقة بحكم أنها في الشمال، الذي كان له اليد العليا في موضوع الوحدة، والسيطرة السياسية. بينما نجد المكونات الجنوبية قد تشكلت بسبب الظرف التاريخي الذي مرّ ويمر به اليمن منذ حرب الوحدة عام 1994م، باستثناء المكون الأول العريق تاريخيًا وهو (الحزب الاشتراكي الجنوبي)؛ إلا أنه يفتقر للقوة أو النفوذ الحقيقي فأصبح رمزًا تاريخيًا ومشاركًا سياسيًا، حيث انضوى تحت مظلة (الشرعية اليمنية). المكون الثاني هو (المجلس الانتقالي الجنوبي) لكنه ليس الأكبر أو الأقوى، إنما عزز وجوده بحكم الدعم الإماراتي، وقد أسسه عيدروس الزبيدي عام 2017م بعد إقالته من منصب محافظ عدن، فاستغل إرث (الحراك الجنوبي) الذي تأسس عام 2007م، وبنى عليه وغيّر توجهاته السياسية، وضم بعض القوى مثل الحراك الثوري عام 2023م، ويتمركز المجلس في عدن والضالع ولحج. المكون الثالث ألوية العمالقة الجنوبية (العمالقة)، وهي قوات ضاربة وفاعلة، وذات توجه سلفي يقودها أبو زرعة عبد الرحمن المحرمي، وتتمركز في عدن وشبوة ومأرب والساحل الغربي. المكون الرابع هو المقاومة الوطنية (قوات طارق صالح) التي تُعرف بـ(حراس الجمهورية)، وتتمركز في الساحل الغربي (المخا وباب المندب)، وتدعم الشرعية والوحدة، وطارق هذا هو نجل (محمد علي صالح) شقيق علي عبد الله صالح، وبعد مقتل عمه اتجه طارق بما بقي من قوات حزب المؤتمر الشعبي نحو الساحل الغربي لليمن. أيضًا من مكونات الجنوب اليمني المهمة المكون السادس (حلف قبائل حضرموت)، وهو كيان سياسي عسكري تأسس عام 2013م، والقوة الأكبر تأثيرًا قبليًا وسياسيًا في حضرموت، ويقوده عمر بن حبريش، وهو مؤيد لوحدة اليمن، لذلك كان له دور مهم في إخراج قوات المجلس الانتقالي من حضرموت بالتعاون مع قوات درع الوطن. المكون السابع (مجلس حضرموت الوطني) وهو كيان سياسي مدني، وأسُس عام 2023م، وقيادته متمثلة في هيئة رئاسية. أما المكون الثامن فهو (لجنة اعتصام أبناء المهرة)، وهي تيار شعبي في محافظة المهرة يقوده الشيخ علي سالم الحريزي.

نخلص إلى أنه يوجد على تراب الجمهورية اليمنية اليوم 12 مكونًا سياسيًا وعسكريًا، أربعة بالشمال اليمني وثمانية في الجنوب اليمني، المجلس الانتقالي الجنوبي لا يفضلها بالتاريخ، ولا يمتاز عنها بالقوة، ولا يتعداها بالانتشار الجغرافي، لكن الدعم الإقليمي أوهمه بأنه يستطيع أن يفرض رؤيته السياسية ومشروعه الانفصالي على باقي المكونات والأطياف اليمنية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد