: آخر تحديث

القدرة على احتواء مشاكل الآخرين والأحزان

4
3
3

سارا القرني

القدرة على احتواء مشاكل الآخرين والأحزان ليست مهارة عابرة، بل هي نعمة عظيمة لا تُمنح إلا لمن امتلك قلبًا واسعًا وعقلًا راجحًا. ليس من السهل أن تكون الإنسان الذي يلجأ إليه الناس حين يثقلهم الألم، ويتعثر بهم الطريق، ويعجزون عن البوح أو الاحتمال.

في زمن تتسارع فيه الوتيرة، وتضيق فيه الصدور، يصبح الحضور الهادئ والاحتواء الصادق عملة نادرة.

أن تكون الشخص الذي يصغي دون أن يحكم، ويفهم دون أن يطالب بالتبرير، ويمنح الطمأنينة دون أن يتدخل بشكل جارح، هو في حد ذاته فعل إنساني عظيم.

الاحتواء لا يعني الحل دائمًا، بل يعني أن تقول بطريقة غير مباشرة: «أنا هنا، لست وحدك.»، ويعني أن نترك للآخرين مساحة للتنفس دون ضغط، ودون مقارنة، ودون التقليل من معاناتهم مهما بدت صغيرة.

إن من أعظم أشكال الاحتواء هو احترام مشاعر الآخرين حتى وإن لم نفهمها. فكم من قلب انهار لأنه لم يجد من يصدق ألمه، وكم من روح تقوقعت لأنها قوبلت بالإنكار أو السخرية حين حاولت أن تبوح.

أن تحتوي الآخرين لا يعني أن تُهمل نفسك، بل أن تمتلك من النضج ما يجعلك قادراً على التوازن. أن تعطي من وقتك وعاطفتك دون أن تستهلك ذاتك. أن تعرف متى تصغي، ومتى تدعم، ومتى تنسحب بلطف حين تستشعر أن وجودك لم يعد يُضيف.

في النهاية، من يملك القدرة على الاحتواء، يزرع أثرًا لا يُنسى. لأن الناس لا تنسى من منحها الأمان في لحظات الانكسار. ولا أحد ينسى من كان الضوء في نفق مظلم. هذه ليست أدوارًا عابرة، بل هي رسائل إنسانية تترك علامة في الحياة.

فليكن لنا من الرحمة نصيب، ومن الحضور أثر، ومن الإصغاء صدق، ومن الاحتواء حب لا يُشترط، ولا يُقايض، بل يُمنح لأننا نؤمن أن الإنسان خُلق ليكون سندًا لأخيه الإنسان.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد