توقف جوزيه، وهو أصغر إخوته، عن إكمال تعليمه، لاضطراره، وهو في التاسعة، للعمل في مشغل العائلة بعد وفاة والده. مذ كان صبيا، كان مغرما بالبحث عن وسيلة لتلوين الخزف، مبتدئاً بطريقة التجربة والخطأ، ومنتهياً بالعمليات الكيميائية الجادة والحذرة، بعد أن أثارته فكرة العبث بالمعايير المتعارف عليها في تلك الصناعة، التي كانت العائلة تعتمدها، فغضب إخوته منه، فاضطر في عام 1756 لإنشاء ورشته الخاصة، وكان يسجل ملاحظاته الدقيقة عن نتائج أبحاثه، ونجح في التوصل لطريقة تلوين كل الأواني الخزفية المعروفة آنذاك بلون واحد فقط.
عمت نتائج اختباراته أوروبا فعُدّت إنجازاً كبيراً ونقطة تحول مهمة، حيث اتسمت القطع التي كان ينتجها بالبساطة والإتقان، وكانت ناعمة ومرصعة أو مزخرفة برسوم متناسقة رُسمت على خلفية خفيفة اللون، فجذبت منتجاته ذوق الأرستقراطيين الذين كانوا قد بدأوا بالابتعاد عن الزخرفات المترفة والباهظة، فظهرت أطقم «ويدجوود» فائقة الجودة التي أصبحت قطعها، لأول مرة، موحدة لوناً وشكلاً في فترة تطور الثورة الصناعية، التي ساهمت في انتشار منتجاته، ما دفع القصر الملكي، عام 1965، لطلب أطقم من الشاي مكونة من 86 قطعة، خاصة بالملكة شارلوت. ولما كان ويدجوود إنساناً يعشق التطوير ويعرف كيفية استغلال الفرص، فقد أقنع القصر بالإذن له بإطلاق تسمية «أواني الملكة» على مجموعته، فكان له ما أراد، وهذا دفع الأسر الثرية لأن تسعى لامتلاك ما يماثلها. كما طلبت الإمبراطورة الروسية كاترين من ويدجوود صنع أطقم كاملة تكفي لاستضافة مئتي شخص، أي 962 قطعة من «أواني الملكة»، لكن بقي ويدجوود، مع كل ما حققه من ثراء وسمعة، رجلا ذا نزعة ليبرالية وديموقراطية قوية، على الرغم من مكانته وصداقته للطبقة الراقية الأوروبية، وهذا ما سنعرف أثره تاليا على طريقة ابنته في تربية حفيده منها. ولا تزال أواني الطعام التي كان ينتجها ويدجوود رائجة حتى اليوم، لما تميزت به من عراقة وجودة عالية وتصاميم مميزة.
توفي جوزيه ويدجوود عام 1795 تاركا وراءه إرثاً لابنته سوزانا، التي تزوجت تاليا السيد روبرت داروين Robert Darwin، ورُزقا عام 1809 بـ تشارلز داروين، الذي أصبح يتمتع بشهرة فاقت شهرة جده بآلاف المرات، بعد أن أصبح أحد أعظم العلماء في التاريخ البشري.
أحمد الصراف

