: آخر تحديث

الخوارزميات بين بريق الانتشار وعمق المعنى

4
4
3

تغريد إبراهيم الطاسان

في ظل التحوّل الرقمي المتسارع، تدرك المملكة العربية السعودية أن التقنية، بما فيها الخوارزميات، ليست خطرًا في ذاتها، بل أداة تتحدد آثارها بوعي استخدامها. ومن هذا المنطلق، تعمل الدولة على الاستفادة من إيجابيات اقتصاد الانتباه مع الحد من آثاره السلبية، ضمن مسار تنموي يضع الإنسان والوعي في قلب التحول.

نحن نعيش اليوم في عالم يتقدّم فيه المال بخطى أسرع من القيمة، ويتصدّر فيه اقتصاد الانتباه مشهد التأثير العام، حتى بات هو الحَكَم الخفي في تحديد ما يُرى، وما يُهمَّش، وما يُكافأ، وما يُقصى.

لم يعد السؤال: ماذا نقول؟ بل: كم سيشاهَد ما نقول؟ ولم يعد النجاح يُقاس بعمق الفكرة أو أثرها التراكمي، بل بعدد النقرات، ومعدلات المشاهدة، وسرعة الانتشار.

في هذا المناخ، تحوّلت الخوارزميات من أدوات تنظيمية إلى قوى توجيهية، تكافئ الإثارة السريعة، واللغة الحادّة، والمحتوى القابل للاستهلاك الفوري، وتعاقب التروّي، والتحليل، والمعرفة التي تحتاج وقتًا لتُفهم وتُستوعب.

الخوارزمية لا تسأل عن القيمة، ولكن عن التفاعل، ولا تميّز بين الضجيج والمعنى، إنما تقيس ما يُشعل الانتباه ولو على حساب الوعي.

وهنا يبدأ الخلل العميق: حين يُعاد تعريف النجاح بوصفه انتشارًا لا أثرًا، وحين يصبح الصخب بديلاً عن الفكرة، والانفعال بديلاً عن الفهم.

في هذا الاقتصاد، تُدفع المنصات وصنّاع المحتوى والمؤسسات الإعلامية، طوعًا أو كرهًا، إلى إعادة تشكيل خطابهم بما يتلاءم مع منطق السوق الرقمي، فتُختزل القضايا المعقّدة في عناوين صادمة، وتُجزّأ الأفكار الكبيرة إلى مقاطع قصيرة، ويُستبدل البناء المعرفي المتدرّج بجرعات متلاحقة من الإثارة.

لا يعني ذلك أن المال عدوّ القيمة بالضرورة، ولا أن الانتشار خطيئة في ذاته، لكن الخطر يكمن حين يصبح الانتشار هو الغاية النهائية، وحين تُضحّى القيمة على مذبح الوصول السريع.

عندها تُهمَّش المعرفة الجادّة لأنها “لا تجذب”، ويُقصى الرأي المتزن لأنه “لا يُشعل”، ويُنظر إلى العمق بوصفه عبئًا على الخوارزمية لا إضافة للمجتمع. الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لا يبقى محصورًا في الإعلام أو المحتوى الرقمي، حيث يتسلّل إلى التعليم، والثقافة، والعمل العام، وحتى إلى تقييم الأشخاص والأفكار. يُكافأ من يثير، لا من يثري، ويُصغى لمن يعلو صوته، لا لمن تتماسك حجته.

ومع مرور الوقت، يتشكّل وعي جمعي مشوّه، يعتاد السطح، ويملّ العمق، ويخلط بين الشهرة والتأثير، وبين الحضور والجدوى.

في مثل هذا الواقع، تصبح المسؤولية مضاعفة على النخب الثقافية والإعلامية والتعليمية، لا لمقاومة التقنية أو الهروب منها، بل لإعادة التوازن إلى المعادلة: أن نستخدم أدوات الانتشار دون أن نفقد المعنى، وأن نخاطب الجمهور دون أن نستخفّ بعقله، وأن نُصرّ على أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بزمن المشاهدة وحده، ولكن بما تتركه من أثر في التفكير والسلوك والوعي.

قد لا تكافئ الخوارزميات هذا الخيار سريعًا، لكنه الخيار الوحيد القادر على بناء أثر مستدام. فالتاريخ لم يتذكّر أكثر الأصوات صخبًا، يتذكر أكثرها صدقًا وعمقًا، ولم يخلّد ما انتشر لحظيًا، بل ما غيّر الوعي على المدى الطويل. وفي زمن يتصارع فيه المال والقيمة، يبقى الرهان الحقيقي على من يملك الشجاعة ليختار المعنى، حتى وهو يعرف أن طريقه أطول، وأقل ضجيجًا، لكنه أكثر صدقًا وأبقى أثرًا.

ومن هنا، يتكامل هذا الوعي مع التوجه الوطني الذي يرى في التقنية رافعة للتنمية لا بديلًا عن القيمة، وفي بناء الإنسان والمعرفة أساسًا لأي تحول مستدام. فبين سرعة الخوارزميات وعمق المعنى، يبقى الخيار الأذكى هو ذاك الذي يوازن بينهما، ويصنع أثرًا يتجاوز اللحظة إلى المستقبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد