ناهد الأغا
على أعتاب البدء، منذ ثلاثين عاما،ً وقفتُ على تخوم هذه الديار المباركة، وكياني يخفق بشوق حملته في الأعماق كقنديل أستضيء به كلما أثقلتني وحشة المسافات، لكن المشيئة، في تدبيرها البليغ، كانت تعدّ لي وطن آخر يأويني، لم أدرك يومها أن الغربة التي أنهكتني بالأمس ستتحول إلى احتضان يمسح على هامتي.
ومع تعاقب الأعوام، أودعت الغربة في فؤادي بذورًا خفية.. نبتة مع كل رفيقة منحتني ودها قبل دارها، نبتة مع كل جارة أو زميلة عمل تفقد أمسي حين غبتُ يوماً، نبتة مع كل إشراقة أطل فيها على بلد ينهض، كانت النبتات تُسقى برحيق التفاصيل اليومية: وجوه تتحول من مجهولة إلى قريبة إلى أهل، وطرقات صرتُ أحفظ ملامحها كبصمات يدي، وأريج بخور يعترض مساري فيذكرني أني في حرم آمن، وصحفة طعام أتشاركها مع جيراني فتصير الأكلة طقسًا من المودة، وعبارة «ياهلا» التي كانت تُهدى لي بصدق إلى أن صرتُ أنا.. لربما واحدة من الهوامش الصغيرة في المتن الكبير لهذا الكيان العظيم أشاركهم أفراحهم ومناسباتهم.. إلى هذا اليوم.
إنه ذكرى يوم التأسيس. هناك، في صميم التاريخ، يوم أسس الإمام محمد بن سعود دعائم الدولة، التي اجتازت ثلاثة قرون، توالت عليها الأحداث والتطورات، فكانت تخضر والأغصان تتعالى في فضاء المستقبل.
اليوم، وأنا أحيي هذه المناسبة المجيدة بينهم، مع أهلي الذين لا يكتمل العيد إلا بهم، وأولئك الذين صاروا سندي بالود قبل القربى، مع رفيقاتي اللواتي نجتمع في الميادين نتابع الاحتفالات بقلب واحد.
أشاهد أهل المملكة يطلون بملابس أسلافهم، وأصغي إلى العرضة والسامري، والأهازيج تغمر الفضاء، فنون كل منطقة تطل لتحكي قصتها، والأخضر يغمر كل شيء، الأعلام تملأ الأفق، تخفق على واجهات المباني، تتدلى من الشرفات، ترفرف من نوافذ السيارات، وتُحمل في أيدي الأطفال الذين يسبقون الكبار في إعلان بدء العيد، البخور يتصاعد من المجالس المفتوحة، والقهوة العربية تفوح من كل بيت وخيمة، رائحة الهيل والزعفران تمتزج بعبق العود، فتخلق ذاكرة ضيافة عريقة. في المراكز والميادين الكبرى، تقام الفعاليات: عروض تراثية تحكي قصة التأسيس ومشاهد تمثيلية تعيد إحياء لحظات من الماضي، وأجنحة للحرف اليدوية وأخرى للفنون التشكيلية.
وفي الفضاء الرقمي، يتصدر وسم #يوم_التأسيس المشهد، تتدفق التغريدات كالسيل، صور عائلية هنا، فيديوهات للاحتفالات هناك، قصص شخصية عن معنى هذا اليوم، بمشاعر تفيض حبًا وانتماء..
والكثير والكثير
ومع حلول المساء، تزداد المملكة تألقًا العائلات لا تزال في الشوارع، لم يشبعوا بعد من الاحتفال، إنه شعور بالفخر يمازجه حب، واعتزاز يخالطه انتماء، حالة وجدانية شاملة يعيشها الجميع، وتصنع منها الأجيال ذاكرة جماعية تتناقلها كما تتناقل حكايات الأجداد عن زمن التأسيس الأول حيث يتعانق الغابر بالآتي، وتتحول الملحمة من استذكار إلى مشروع نهضة، ومن قصة بدء إلى قصة ازدهار. يوم التأسيس هو استدعاء للفخر بماض تليد، واعتزاز بحاضر ناضر يزهر في كل ميدان، وثقة بمستقبل يُسطر بالإنجاز، هو استحضار لماض شامخ كالسيوف المرفوعة، هو العهد الأكبر: أن تبقى هذه البلاد كيانا يفرض حضوره، ويصنع مجده دائماً وأبداً
ختاماً، وبين وطنين تعانقا في فؤاد امرأة آمنت بأن الأرض تتسع لمن يحبها بصدق.. أتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكات: إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ملك العزم والحكمة، حفظك الله ذخراً لهذه الأمة وجعل عمرك مديداً والعز في خطاك.
إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مهندس الرؤية، صانع الأمل، أدامك الله تاجاً على رؤوسنا وسيفاً للوطن، إلى الحكومة الرشيدة، التي تسهر ليل نهار على نهضة هذا البلد، وتعمل بلا كلل لتحقيق تطلعات القيادة والشعب. وإلى الشعب السعودي النبيل شعبٌ كالنخلة، في أيديهم تصافح مستقبلاً من البناء، وفي خطاهم تسمع وقع الأجداد وهم يؤسسون للمجد، هم الذين إذا احتفلوا، احتفت بهم الدنيا
كل عام وأنتم في عز وفخر في الثاني والعشرين من فبراير، وفي كل يوم من أيام العمر.

