تفصل الناخبين المجريين قرابةُ شهرين عن موعد إجراء الانتخابات النيابية في بلادهم، لكن سعير ودخان نيران حملاتها تجاوزا الحدود إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي، وعَبَرَا المحيط الأطلسي وصولاً إلى أميركا. في قلب هذه الانتخابات، يتموضع بارزاً مصير فيكتور أوربان، رئيس حكومة المجر منذ عام 2010، وأقدم رئيس حكومة في دول الاتحاد الأوروبي وفي القارة العجوز برمّتها.
للمرّة الأولى، يبدو أوربان مهدداً بالخروج من الحكم وتسليم مفاتيح السلطة إلى زعيم صاعد هو بيتر ماغيار. استطلاعات الرأي العام في المجر تشير إلى أن حزب «تيسا» المعارض والمؤيد لتوطيد العلاقات مع بروكسل يتقدم على حزب أوربان.
تعرّضت شعبية حكومة أوربان لاهتزازات عنيفة نتيجة استشراء الفساد، وتلقت ضربة موجعة في الشهرَيْن الأولين من عام 2026، إثر تسريب لقطات مصورة لمسؤول في دار رعاية أحداث يعتدي على قاصر؛ تلك التسريبات التي أفضت إلى موجة احتجاجات ومظاهرات لم تشهدها المجر منذ سنوات، وتسببت في إحداث صدع كبير في جدار الثقة برئيس الحكومة وحزبه.
فيكتور أوربان اسم ليس غريباً على ساحات الجدال، فقد أضحى أشهر من نار على علم بسبب مواقفه داخل الاتحاد الأوروبي المخالفة لخط سير الاتحاد، التي بدت أكثر وضوحاً خلال الحرب الأوكرانية - الروسية؛ فهو كان أول الرافضين لقرار بروكسل بوقف شراء النفط والغاز الروسيين، وأشد الممانعين لقبول أوكرانيا عضواً بالاتحاد. وفي الأيام القليلة الماضية، أعلن في خطاب له أن «الاتحاد الأوروبي يشكل تهديداً للمجر أكثر من روسيا». وقبل ذلك، كانت له صولات وجولات ضد بروكسل، أبرزها رفض مبدأ الحصص في قبول المهاجرين وتشييد سياج حدودي لمنعهم، فضلاً عن إجراءاته التي أدت إلى تقويض استقلالية القضاء والسيطرة على وسائل الإعلام وتضييق الهوامش أمام الإعلام الخاص. ومقابل ذلك، جمّد الاتحاد مبالغ ضخمة من صناديق التعافي والتمويل المخصصة للمجر، مشترطاً إجراء إصلاحات حقيقية في نزاهة القضاء ومكافحة الفساد لاستعادة هذه الأموال.
من الواضح أن بروكسل تريد اقتلاع شوكة أوربان من حلقها لتستريح من إزعاجه المتكرر، في حين أعلنت واشنطن دعمها له صراحة؛ يوم الاثنين الماضي، وعقب انتهاء اجتماعات مؤتمر ميونيخ للأمن، غادر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ألمانيا متوجهاً إلى بودابست، ليعلن من هناك دعم الرئيس ترمب لصديقه أوربان. هذا الموقف دفع بروكسل للجوء إلى الصمت، مفضلةً ادعاء الالتزام بمبدأ «عدم التدخل في الشؤون الداخلية»، في حين تخفي في الحقيقة خشيةً وتحسّباً لما قد تسفر عنه الصناديق؛ فكابوس فوز أوربان وبقائه في السلطة لا يزال يقلق راحة القادة الأوروبيين.
ليس سرّاً أن أوربان صديق مقرب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكان من أوائل مؤيديه في ولايته الأولى وحتى قبل وصوله للبيت الأبيض. وترمب -كما هو معروف- لا يفرّط في أصدقائه ولا يتأخر في مساندتهم؛ إذ استقبل أوربان في البيت الأبيض، وتشير التقارير إلى احتمال ظهوره عبر الشاشة لإلقاء كلمة في مؤتمر المحافظين ببودابست قريباً.
الرئيس ترمب، منذ عودته للبيت الأبيض ثانيةً، قدم دعماً سياسياً إلى مرشحين رئاسيين في تشيلي وهندوراس، ودعماً لا محدوداً لصديقه الرئيس الأرجنتيني خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وقد فاز المرشحان اللذان دعمهما بالحكم. كما نال حزب الرئيس الأرجنتيني الأغلبية التي تضمن تمرير مشروعه الإصلاحي. يقود هذا إلى استنتاج أولي باحتمال فوز أوربان وبقائه في الحكم، وهو أمر تضيق به صدور قادة بروكسل الذين يأملون في تكرار السيناريو البولندي؛ حين سقط حزب القانون والعدالة اليميني، وحل محله ائتلاف حاكم بقيادة دونالد توسك، الذي أعاد ترميم الجسور المتصدعة مع الاتحاد الأوروبي.

