: آخر تحديث

"الإنسانيات الطبية".. حين يلتقي الطب بالأدب

3
3
2

لا يدخل الإنسان المستشفى مجرداً من المعنى، بل محمّلًا بالعديد من الأفكار والمشاعر، الخوف، الذكريات، الترقب، وأسئلة لا يجيب عنها الطبيب أو أجهزة المستشفى، هل سأعود كما كنت؟ هل المرض نهاية أم بداية أخرى؟

ممارسات الطب الغربي "الحديث" تستقبل الجسد وحده، حيث تُقاس المؤشرات الحيوية بدقة، تُحلّل النتائج والصور، تدرس الأرقام، بينما تبقى التجربة الإنسانية -بما تحمله من قلق وأمل وارتباك- خارج الملف الطبي، من هذه الفجوة وُلد ما نعرفه بـالإنسانيات الطبية "Medical Humanities": حقل معرفي عابر للتخصصات العلمية، يسعى إلى إعادة الإنسان إلى جوهر الطب، عبر الأدب، والفلسفة،، والأخلاق، والفنون، والسرد.

في الحضارات الغابرة، لم يكن المرض حدثًا حيوياً صرفًا، بل تجربة وجودية، ففي مصر القديمة، كان العلاج مزيجًا من الأعشاب والطقوس، المعالج كان وسيطًا بين الجسد والعالم، بين الألم والمعنى، بينما ارتبط الطب بالفلسفة في اليونان العتيقة، فمؤسس الطب العقلاني "أبقراط"، لم يفصل بين الجسد والنفس، وكان يرى أن فهم نمط حياة المريض، وعاداته، وحالته النفسية، جزء لا يتجزأ من العلاج. وحتى أفلاطون وأرسطو ناقشا المرض ضمن أسئلة أوسع عن الفضيلة، والاعتدال، والحياة الطيبة، حينها لم يكن الطبيب "حرفِيًا" بالمعنى الحرفي، بل حكيماً، وصاحب رؤية إنسانية.

بلغ هذا التصور الإنساني ذروته في الحضارة الإسلامية، إذ لم تكن الطبابة علمًا منفصلًا عن الفلسفة أو الأخلاق أو الأدب، فمثلاً قدم ابن سينا في كتابة "القانون في الطب" نموذجًا شموليًا للصحة، تحدّث عن أثر المزاج، والحالة النفسية، والموسيقى، والعلاقات الاجتماعية على الشفاء، لم يكن الجسد آلة، بل كيانًا حيًا يتأثر بكل ما حوله. أما الرازي، فقد شدّد على أهمية الحوار مع المريض، وكتب عن ضرورة مراعاة حالته النفسية، وأكد أن الطبيب يجب أن يكون مطمئنًا، حسن الخلق، لأن سلوكه جزء من العلاج!

مع القرن التاسع عشر، تغيّر كل شيء، التشريح، والمختبرات، والمجاهر، والاكتشافات، لكنه في الوقت نفسه غيّر طريقة النظر إلى الإنسان، حيث أصبح الجسد موضوعًا للفحص، والتحليل، والتجزئة، والمريض تحوّل إلى "حالة سريرية"، تُعرَّف بأعراضها لا بقصتها. وظهرت لغة طبية تقنية دقيقة وجافة، وتراجعت العلاقة الإنسانية لصالح الكفاءة العملية، وبدأ المرضى يشعرون بأنهم فقدوا صوتهم، فالأطباء ينظرون إلى الأشعة أكثر مما ينظرون إلى الوجوه، ويقرأون الأرقام أكثر مما يصغون للكلمات.

في عام 1886، نشر الروائي الروسي "ليو تولستوي" رواية موت إيفان إيليتش، ولم تكن هذه الرواية عن المرض فقط، بل عن العزلة التي يعيشها المريض داخل نظام طبي واجتماعي لا يصغي، بطل الرواية لم يكن يعاني من الألم الجسدي وحده، بل من تجاهل من حوله لأسئلته الوجودية.

أما في عالمنا العربي، فلقد كتب طه حسين عن العمى لا كإعاقة فقط، بل كتجربة شكّلت وعيه ورؤيته للعالم، والشاعر "أمل دنقل" في قصائده الأخيرة، حوّل سرير المرض إلى منبر صدق، حيث الجسد المتعب يصبح شاهدًا على الحياة، هذه النصوص لم تكن طبية مهنية، لكنها كانت أكثر صدقًا في وصف ما يعنيه أن تكون مريضًا.

في سبعينيات القرن الماضي، ظهر مصطلح "الإنسانيات الطبية" في الجامعات الغربية، كما لو كان رد فعل على شعور متزايد بأن الطب -رغم تقدمه- فقد بوصلته الإنسانية. لتجمع بين: الأدب، الفلسفة، التاريخ، الأخلاق، الفنون، ولم يكن الهدف تجميل الطب، بل إعادة إنسانيته.

مستقبل "الإنسانيات الطبية" ليس في منافسة العلم، بل في موازنته، أي يكون دقيقاً علميًا، وإنسانيًا في ممارسته، لأن الطب الذي يرى الإنسان قبل المرض، والقصة قبل التشخيص، هو الطب القادر على أن يكون أكثر عدالة، وأكثر فاعلية، وأكثر رحمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد