ربما لا نعرف عن الأمن السيبراني إلا ما يظهر من أخبار الاختراقات وتسريب البيانات، بينما الأرقام تعكس واقعاً اقتصادياً وتقنياً واسعاً يمتد أثره إلى مختلف جوانب الأعمال، ويرتبط بكفاءة الحوكمة الرقمية وجودة البنية التحتية التقنية، كما يقود الاستثمار فيه إلى بناء قدرات وطنية متخصصة وتعزيز الجاهزية المؤسسية ورفع مستوى الوعي المجتمعي، بما يدعم مسار التحول الرقمي والتنمية الاقتصادية على المدى البعيد. لكن أهميته لنا كأفراد غير متخصصين هو مدى قدرتنا على التعاطي مع جوانب الوعي التي ترتبط بسلوكنا اليومي في استخدام التقنية، وحماية بياناتنا الشخصية، وإدراك مخاطر الروابط والرسائل المشبوهة، والتعامل المسؤول مع كلمات المرور والتطبيقات، فالمسألة تبدأ من وعي فردي يتراكم ليصنع بيئة رقمية أكثر أماناً واستقراراً للجميع.
العالم اليوم يتنافس في بناء قدراته الرقمية وتحصين فضائه السيبراني عبر استثمارات متصاعدة في التقنيات المتقدمة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتطوير التشريعات والضوابط، ورفع جاهزية القطاعات الحيوية، لأن الأمن السيبراني ركيزة في معادلة السيادة التقنية، ومحركاً أساسياً لاستدامة الاقتصاد الرقمي وتعزيز الثقة في الخدمات والمنصات.
ومنظومتنا اليوم ولله الحمد وصلت مستوى متقدم من النضج، عبر أطر تنظيمية واضحة، ومعايير وطنية معتمدة، وبرامج تأهيل مستمرة، وتكامل بين الجهات المعنية، ما عزز جاهزية القطاعات ورفع مستوى الامتثال، وأسهم في ترسيخ ثقافة الوعي السيبراني داخل المؤسسات والمجتمع، دعماً لمسار التحول الرقمي والتنمية المستدامة.
لكن الرهان دائماً هو على الوعي الفردي والثقافة المؤسسية، فهما الأساس الذي تنطلق منه الممارسات اليومية داخل الجهات وخارجها، ومن خلالهما تتشكل سلوكيات الاستخدام المسؤول، وتتكرس قيم الحماية والانتباه، ويتحول الأمن السيبراني إلى ممارسة راسخة تدعم استقرار المنظومة الرقمية وتعزز كفاءتها على المدى الطويل.
وبالتالي يجب أن ندرك أن الأمن السيبراني مسؤولية مشتركة تبدأ من سلوك الفرد وتمتد إلى أنظمة الجهة، وأن أي ممارسة يومية في الفضاء الرقمي تترك أثراً مباشراً على مستوى الحماية العام، ما يستدعي وعياً دائماً، وانتباهاً مستمراً، والتزاماً بالضوابط والإجراءات التي تعزز سلامة البيانات واستقرار المنظومة الرقمية.
وباعتقادي أن رفع الوعي بشكل كبير يبدأ من إحساسنا بأن وجودنا الرقمي امتداد مباشر لحياتنا اليومية، وأن بياناتنا جزء من مسؤوليتنا الشخصية، وأن كل تصرف إلكتروني يحمل أثراً يتجاوز لحظته، والحملات التوعوية الحثيثة التي نشاهدها باستمرار هي لإيقاظ حالة السبات التي يمر بها بعضنا تجاه أمر مهم يرتبط بسلامة بياناته وخصوصية معلوماته، وتحفيز حس المسؤولية في التعامل مع التقنية، وتعزيز إدراك المخاطر المحتملة، بما يسهم في بناء سلوك رقمي واعٍ يواكب تسارع التحول ويعزز حماية المجتمع بأكمله.

