: آخر تحديث

الصداقة لا تربي

3
5
4

ترديد عبارة «نحن أصدقاء لأولادنا» قد يبدو مغريًا في عصر قيم الصداقة والمساواة، لكن الأدلة العلمية الحديثة تشير بوضوح إلى أن الاستبدال الكامل لدور الأب أو الأم بصديق/ صديقة للأبناء يحمّلهم مخاطر ملموسة على المدى المتوسط والبعيد، فوجود علاقة دافئة مع الأبناء ضروري، ولكن وجود حدود واضحة، وتوقعات معقولة، وإشراف ملائم، هو ما يفرز نتائج أفضل عند المقارنة مع أنماط «التساهل الصديق» أو الإهمال المقنَّع.

حقل علم النفس التنموي يميّز بين أنماط تربية رئيسية؛ أكثرها ارتباطًا بنتائج إيجابية هو النمط «السلطوي المتوازن» أو ما يعرف بالـAuthoritative: دفء واهتمام مع حدود وقواعد وتوجيه منطقي. النتائج الملاحظة عند أبناء هذا النمط تشمل تكيّفًا اجتماعيًا أفضل، ودرجات أكاديمية أعلى، وانخفاضًا في السلوك المعادي للمجتمع مقارنةً مع النمط المتساهل الصديق أو النمط السلطوي الصارم. هذه الخلاصة تدعم الرأي القائل بأنّ «الصداقة» وحدها ليست بديلاً كافياً لدور الوالد.

التحوّل إلى «صديق» فقط يعني تقليص الحدود وتقليل التوقعات والتحكّم الإشرافي. دراسات متكررة تربط النمط المسامح (الذي يشبه علاقة الصديق) بارتفاع في المشكلات السلوكية والاندفاعية لدى المراهقين أي مشاكل تظهر عندما يواجهون ضغوطًا اجتماعية دون إطار توجيهي واضح. منطقياً، الأصدقاء يقدمون دعمًا عاطفيًا ومشاركة ممتعة، لكنهم لا يوفرون التوجيه الهيكلي اللازم لتعلُّم الامتثال للمجتمع أو إدارة المخاطر.

إن دعم الأصدقاء مفيد لمواقف اجتماعية فورية، بينما دعم الوالدين له أثر فريد ومستدام على الرفاهية العامة والقدرة على مواجهة الضغوط. بمعنى عملي: الأصدقاء يسهلون الانتماء الفوري، والآباء يزوّدون الأبناء بإطار القيمة، والحدود، والأسس لصنع قرارات سليمة، وهو ما يقلّل التأثر السلبي بصيغة «تأثير أقران» في السلوكيات الخطرة. لذلك، القول «أنا صديق ابني» لا يلغي الحاجة إلى دور الوالد في التوجيه والرقابة.

علم النفس العصبي والسلوكي يشير إلى أن الحدود المتسقة تخلق بنية تساعد على تطوير الضبط الذاتي والوظائف التنفيذية لدى الطفل؛ أي أن الروتين والتوقعات الواضحة تعملان لتعلم التحكم في الانفعالات واتخاذ القرار. وغياب هذه البنية، حتى في بيئة دافئة، يزيد احتمالات مشكلات القلق أو السلوك الخارجي لدى بعض الفئات العمرية. بالتالي، الدفء مع الحدود تعطي تركيبة عملية مدعومة بالدليل.

أيها الآباء وأيتها الأمهات؛ احتفظوا بالدفء، لكن ضعوا قواعد واضحة: فسّروا أسباب القواعد بدلاً من فرضها تعسفًا؛ هذا يعزّز مقبوليّة الطفل ويفسّر الهدف منها.

افصلوا بين الصداقة والدور التوجيهي: كونوا متاحين كدعم عاطفي، لكن حافظوا على القدرة على اتخاذ قرارات صعبة لصالح سلامتهم ونجاحهم (مثلاً حدود السهر أو استخدام الأجهزة).

راجعوا توقعاتكم بحسب العمر: ما يصلح لطفلٍ في مرحلة الطفولة لا يصلح لمراهق؛ ولكن القاعدة العامة تبقى: التدرج في المسؤولية مع المحافظة على إشراف معقول.

علّموا أبناءكم مهارات صنع القرار بدلاً من تجريب الحرية غير الموجهة: امنحوا فرصًا للخطأ المحكوم والتعلّم ضمن نطاق آمن، بدلًا من ترك الطفل يتعلم الأخطاء من محيط خارجي قد لا يكون رحيمًا.

النتيجة العلمية والمنطقية واضحة؛ فالأطفال سيجدون أصدقاء كثيرين في مراحل حياتهم، لكنّهم لن يجدوا دومًا آباءً أو أمهات يقدمون التوازن بين الحنان والحدود. استبدال الدور التربوي بدور الصديق وحده يضاعف احتمالات مشاكل سلوكية ونفسية ويقلّل من فرص تكوين مهارات الضبط الذاتي ومسارات النجاح الأكاديمي والاجتماعي. لذلك، حافظوا على العلاقة الودّية، لكن لا تتخلّوا عن مسؤوليتكم الاجتماعية كآباء وأمهات.. يقول عالم النفس الأميركي يوري برونفنبرينر: «في سبيل نمو الطفل يحتاج إلى تبادل مشترك متزايد التعقيد مع شخص بالغ واحد على الأقل، وكل طفل يحتاج على الأقل إلى شخص بالغ يحبّه بشكل غير منطقي».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد