أتحدّى العرب من مشارق الأرض ومغاربها أن يأتوني ولو باسم بغزوةٍ أو حتى معركةٍ واحدةٍ خاضها الكورد ضدّ العرب طوال التاريخ.
بينما كان عرب مكّة والطائف يتحالفون ويتآمرون لمحاربة الإسلام، وبينما كان الفرس والبيزنطيّون، أجداد الأتراك، يقاتلون جيش المسلمين في حروبٍ يُقتل فيها مئات الألوف من المسلمين، كان الكورد قد استقبلوا الإسلام ورحّبوا بالقادمين من الجزيرة العربيّة دون إشهار سيفٍ واحدٍ ضدّ الفاتحين.
حين أعلن عرب العراق ثورة العشرين ضدّ الإنكليز في الجنوب، هبّ القائد الكوردي الشيخ محمود الحفيد لنجدتهم، وذهب مع المئات من مقاتليه لمناصرة الثوّار العرب العراقيّين.
حين حدثت المشكلة الكبرى حول تبعيّة ولاية الموصل، انحاز الكورد بقبائلهم وشخصيّاتهم إلى جانب العراق العربي، وقبلوا أن يكونوا جزءًا من الدولة العراقيّة الجديدة.
لم يعتدِ الكورد يومًا على العرب والفرس والترك. حتى ثورة الشيخ محمود الحفيد في عشرينيّات القرن الماضي كانت ضدّ الاحتلال الإنكليزي للعراق وليست ضدّ الدولة الناشئة. وثورة أيلول، ثمّ الثورة الجديدة في أواسط السبعينيّات، كانتا ضدّ النظام البعثي وليس ضدّ عرب العراق.
على مدار ثمانين سنةً من الصراع الكردي مع الحكومات العراقيّة، كانت قيادة الثورة الكورديّة تنأى بنفسها تمامًا عن تحويل هذا الصراع مع الحكومات المحتلّة إلى صراعٍ قوميٍّ مع العرب أو الفرس أو الترك، بل كانت ثوراتهم من أجل استرداد حقوقهم القوميّة المشروعة.
حين اندلعت الحرب الطائفيّة في العراق، ويُقتل فيها السُنّي والشيعي على الهويّة بين عامَي 2006 و2007، فتحت كوردستان أبواب مدنها ومناطقها جميعًا لاستقبال وإيواء إخوانهم العرب الهاربين من جحيم تلك الحرب، وما زال يعيش في كوردستان لحدّ اليوم أكثر من مليون عربيٍّ عراقيٍّ يمتلكون المساكن والشقق والشركات والوظائف، ويمارسون الأعمال الحرّة.
قسد حمت سوريا وشعبها والعشائر العربيّة في شمال وشمال شرقيّ سوريا من العدوان الداعشي، وطهّرت أرض سوريا من وجودهم إلى الأبد، وإذا بهؤلاء الذين حمتهم قسد وقدّمت لأجل حمايتهم أكثر من عشرين ألف شهيد يديرون لها ظهر المجن، وينضمّون إلى الجيش السوري الذي جلّ عناصره وضبّاطه من قيادات داعش والقاعدة والتنظيمات الإرهابيّة الأخرى. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
إنّ القلوب الصافية للشعب الكوردي كانت ولا تزال تقودهم إلى مصائب هم أصلًا في غنىً عنها، فلا حرب داعش كان من شأنهم، ولا إسقاط بشار الأسد وصدام حسين كان واجبهم، مع ذلك دفعوا ثمنًا باهظًا لصفاء قلوبهم وتعاملهم مع الآخرين بحسن النيّة.
فإلى متى تبقى هذه الشعوب تحارب الكورد وتقتلهم وتذبحهم وتسبي نساءهم وأطفالهم وتجوع هذا الشعب الذي لم يجنِ على أحد؟
إذا كان العداء يتعلّق بأمر الدين الإسلامي، فإنّ المجتمع الكوردستاني هو من أكثر المجتمعات الإسلاميّة المتمسّكة بالدين الإسلامي، وهو الأكثر تسامحًا مع الأديان والمذاهب والطوائف الأخرى. فما سبب كل هذا العداء الغريب ضدّ شعبٍ مسالمٍ لم يعتدِ على أحد، ولم يحتلّ أرض أحد؟
ترى هل ما زال هناك من يعتبر الكورد أنّهم من أحفاد الجن؟ إذن، هل كان شيخ الإسلام ابن الصلاح الشهرزوري جنّيًا؟ هل كان صلاح الدين الأيوبي جنّيًا؟ هل كان الشيخ محمود الحفيد والملا مصطفى البارزاني وجلال الطلباني كانوا من الجن؟ ما لكم كيف تحكمون يا إخوتنا في الإسلام؟


