: آخر تحديث

المملكة في دافوس.. من الحضور إلى التأثير

2
3
3

لم تعد المنصات الاقتصادية العالمية تُقاس بعدد الجلسات أو كثافة الحضور، بل بثقل التجارب التي تُطرح عليها. وفي دافوس، بدا الحضور السعودي هذا العام انعكاسًا لتحوّل اقتصادي تجاوز مرحلة التعريف، ودخل مرحلة التأثير، حيث لم تعد المملكة تشرح رؤيتها، بل تناقش نتائجها، وتشارك العالم تجربة باتت تُقرأ بجدية واحترام.

المشاركة السعودية في المنتدى الاقتصادي العالمي جاءت امتدادًا لمسار واضح انتهجته المملكة خلال السنوات الماضية؛ مسار نقل الاقتصاد الوطني من الاعتماد الأحادي إلى التنويع، ومن الانغلاق النسبي إلى الشراكة المتوازنة مع العالم. ولهذا، لم يكن وجود المملكة في دافوس حضورًا بروتوكوليًا، بل محطة تُعرض فيها تجربة اقتصادية قيد التطبيق، لا مشروعًا نظريًا قيد الانتظار.

وإذا ما قورنت هذه المشاركة ببدايات الحضور السعودي في دافوس قبل أعوام، يظهر التحول بوضوح. ففي المراحل الأولى، كان الخطاب السعودي يركّز على شرح الرؤية، وتوضيح دوافع الإصلاح، وبناء الثقة مع المجتمع الاقتصادي الدولي. أما اليوم، فقد انتقل الحديث إلى مرحلة مختلفة؛ مرحلة تُناقش فيها المملكة ما تحقق فعليًا من إصلاحات، وما نتج عنها من استقرار اقتصادي، وتحسن في بيئة الأعمال، وتقدّم في جاذبية الاستثمار.

في دافوس الحالي، ركزت المداخلات السعودية على قضايا تتجاوز الإطار المحلي، لتلامس صميم التحديات العالمية. فقد تناول المسؤولون السعوديون ملفات تتعلق بمرونة الاقتصادات، وأهمية الاستثمار طويل الأجل، ودور الاستقرار في دعم سلاسل الإمداد، وتنمية رأس المال البشري بوصفه عنصرًا رئيسًا في التنافسية الاقتصادية. هذا الطرح عكس انتقال المملكة من موقع المتأثر بالتحولات العالمية إلى موقع المسهم في صياغة مساراتها.

وفي هذا السياق، أوضح معالي وزير الاقتصاد والتخطيط الأستاذ فيصل الإبراهيم خلال مشاركته في المنتدى أن الاقتصاد السعودي اليوم يتمتع بمرونة أعلى وقدرة أفضل على التكيّف مع المتغيرات العالمية، نتيجة إصلاحات هيكلية واستثمارات استراتيجية طويلة المدى، مكّنت المملكة من التعامل مع التقلبات بثبات وثقة. كما أشار معالي وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح في جلسات دافوس إلى أن تحسّن تدفقات الاستثمار الأجنبي يعكس ثقة المستثمرين في وضوح السياسات الاقتصادية واستقرار البيئة التنظيمية، مؤكدًا أن المملكة تستهدف استثمارات نوعية طويلة الأجل تقوم على الشراكة وبناء القيمة.

وفي محور رأس المال البشري، شددت صاحبة السمو الملكي الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان، سفيرة المملكة لدى الولايات المتحدة، خلال مشاركاتها في دافوس، على أن التحول الاقتصادي في المملكة لا يقوم على المؤشرات وحدها، بل على الاستثمار في الإنسان، مؤكدة أن تمكين الشباب والمرأة وبناء القدرات الوطنية شكّل عنصرًا محوريًا في تعزيز تنافسية الاقتصاد السعودي عالميًا، وجعل التجربة أكثر قدرة على الصمود والتكيّف.

ولم يقتصر الحضور السعودي على الطرح والمشاركة، بل تُرجم عمليًا عبر عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي أُبرمت على هامش المنتدى، وشملت مجالات الاستثمار، والاقتصاد الجديد، وتنمية القدرات، والتعاون المؤسسي مع جهات دولية. هذه الخطوات عكست توجه المملكة نحو تحويل الحوار العالمي إلى شراكات واقعية، تعزز الاستثمار طويل الأجل، وتنقل المعرفة، وتدعم مستهدفات التنمية الوطنية.

وفي خلفية هذا المشهد، تتجلى توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- التي أرست دعائم الاستقرار، وجعلت من الاتزان أساسًا للسياسات الاقتصادية. وفي ظل هذه التوجيهات، يقود صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- الحضور السعودي الدولي بعقلية ترى في المنصات العالمية فرصة لتعزيز المصالح وبناء الشراكات وترسيخ موقع المملكة كلاعب اقتصادي موثوق في عالم يشهد تغيرات متسارعة.

ولعل الأثر الأعمق للمشاركة السعودية في دافوس يتمثل في بعدها الاستثماري. فالمستثمر العالمي لا يبحث فقط عن فرص، بل عن دول تتمتع باستمرارية السياسات، ووضوح المسار، واتساق القرار. والحضور السعودي المتزن، وما حمله من رسائل حول الإصلاحات الاقتصادية والاستقرار التنظيمي، يعزز من ثقة المستثمرين، ويؤكد أن المملكة شريك طويل الأجل، لا سوقًا مرحلية.

إن دافوس، بالنسبة للمملكة، لم يعد مساحة لعرض الأفكار، بل منصة لتأكيد المكانة وبناء الثقة. حضور يعكس دولة تعرف ماذا تريد، ومتى تتحدث، وكيف تطرح تجربتها بهدوء وثقة. وهكذا تمضي السعودية في مسارها بثبات؛ تشارك العالم حواراته، وتضع تجربتها على الطاولة، وتغادر وقد رسّخت موقعها بوصفها اقتصادًا فاعلًا، لا يتأثر بالمتغيرات بقدر ما يتكيف معها، ويشارك في توجيهها، مستندة إلى قيادة رشيدة، ورؤية واضحة، ووطن يعرف أن حضوره اليوم هو ثمرة قرار اتُّخذ بالأمس، وخطى تُبنى بعينٍ على المستقبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد