: آخر تحديث

يوم التأسيس: الاستدارة التاريخية لدولة الجزيرة العربية!

3
3
3

محمد بن عيسى الكنعان

استحضار يوم 22 فبراير 1727م الموافق 30 جمادى الآخرة 1139هـ، يعني استحضار ثلاثة قرون مجيدة ومتتابعة هي عمر الدولة السعودية بأطوارها الثلاثة (299 عامًا)، يعني استدعاء صوت التاريخ بحضرة الجغرافيا. يعني الغوص في عمق تاريخ المملكة العربية السعودية للبحث عن دُرر المجد، ولآلئ الشرف، وكنوز الريادة، عمق له أكثر من بُعد، عمق لغوي يحكي بلغة الجزيرة العربية السامية بجذورها القديمة، وعمق تاريخي يحتوي إرثًا زاخرًا بحضارات سادت مثل: كندة، وقيدار، ومدين، والحجر، وغيرها، وعمق ديني يمتد إلى أول بيتٍ وضع للناس، مرورًا بفترة ظهور الإسلام، وتكوين عاصمة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة. وبهذا فالدولة السعودية جمعت الشرف والمجد والريادة؛ كيف؟ لأن يوم تأسيس الدولة السعودية في الدرعية عام 1727م (1139هـ) يمثل عودة الدولة المركزية إلى الجزيرة العربية بعد خروجها عام 35 هجرية من المدينة إلى الكوفة بالعراق، ثم تنقلت في حواضر العالم الإسلامي. لهذا فما فعله الإمام محمد بن سعود بن مقرن -رحمه الله- كان إنجازًا أقرب للإعجاز، واستدارة تاريخية راشدة أعادت المركز الحضاري للإسلام إلى جزيرته العربية، حاضنته الأولى، ومنطلق رسالته، ومبعث نبيه عليه الصلاة والسلام.

لقد كان في الجزيرة العربية - وتحديدًا نجد - خلال القرن الثامن عشر الميلادي أكثر من بلدة وإمارة متواضعة الإمكانات، متنافسة حول النفوذ والسيطرة، لكنها كانت على هامش التاريخ وفي مجاهل الجغرافيا، في ظل الاهتمام بإقليم الحجاز غربًا وإقليم الأحساء شرقًا من قبل القوى الإقليمية؛ حتى كتب الله لهذه البلدات النجدية أن تظهر على مسرح التاريخ، وأن تكون محور الأحداث، ومركز العرب، عندما انتظمت في عقد سياسي واحد، وتحت راية واحدة، وفي إطار دولة واحدة. فعلى الرغم من أن البداية كانت غير متوقعة نسبة لنتائجها المذهلة، إلا أن المهمة صارت مُلهمة، والنهاية جاءت مُعبرة عن طموح ابن الجزيرة العربية، عندما ارتحل مانع بن ربيعة المريدي (جد آل سعود) من شرق الجزيرة العربية عائدًا إلى موطن أجداده بني حنيفة في نجد؛ حيث أسس بلدة الدرعية عام 850هـ (1446م) مكونة من منطقتين هما (غصيبة والمليبيد) على ضفاف وادي حنيفة. بعد الجد مانع توالى حكم الأبناء والأحفاد خلال ثلاثة قرون، حتى جاء حكم الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع، الذي غيّر مجرى التاريخ بأمر الله؛ فقبل عام التأسيس (1727م) كانت الدرعية مقسمة جغرافيًا وإداريًا إلى شطرين أو حيين هما غصيبة والمليبيد، فقام الإمام محمد بتوحيد الشطرين بفضل الله، ثم قوته التنظيمية، وحنكته السياسية، وشعبيته بين الناس وداخل عائلة آل سعود، فانتهت الخلافات الداخلية، وقويت الدرعية، ونقل مقر الحكم والإدارة إلى حي الطريف، وبنى سور الدرعية لحمايتها، كما أمَّن طريق التجارة والحج. هذه المقدمات السياسية، والعسكرية، والتنظيمية كانت الأساس الذي أسهم في توحيد البلدات النجدية بإطار الدولة السعودية مع ضم إقليمي الأحساء والحجاز والجنوب وأطراف الشمال، وبهذا عادت الدولة المركزية إلى شبة الجزيرة العربية مُمثلةً بالدولة السعودية منذ 299 عامًا وإلى اليوم، وبفضل الله وقوته تستمر إلى ما يشاء سبحانه، وكأن هذه العودة الخيّرة استدارة تاريخية لدولة الجزيرة العربية بهوية سعودية ومرجعية إسلامية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد